تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٩
و يتلو ذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله دخل على رجل من بنى عبد المطلب و هو فى السوق قد وجه لغير القبلة، فقال وجهوه إلى القبلة، فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة و أقبل اللّه عليه بوجهه، فلم يزل كذلك حتى يقبض، و عن على صلوات اللّه عليه أنه قال: من الفطرة أن يستقبل بالعليل القبلة، إذا احتضر، فهذه هى السنة فى ظاهر أمر المحتضر أن يوجه إلى القبلة، و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل القبلة فى الظاهر مثل الإمام، فى الباطن، فإذا نقل المؤمن فى حالات دعوة الحق من حالة إلى حالة فلا بد لمن ينقله فى تلك الحالات أن يعرفه فيها ما ينبغى أن يعرفه من صار إلى حدها من أمر إمام زمانه، و يبين ذلك له، و يؤكده عنده و يوجهه إليه و يقبل به عليه.
و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه، من أنه يستحب لمن حضر المنازع أن يلقنه شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أنه يستحب لمن حضر المنازع أن يقرأ عن رأسه آية الكرسى، و آيتين بعدها و يقرأ إن ربكم اللّه الّذي خلق السموات و الأرض فى ستة أيام. إلى آخر الآية، و ثلاث آيات من آخر البقرة، و عن رسول اللّه صلى اللّه عليه، و على آله أنه قال من ختم له بشهادة أن لا إله إلا اللّه دخل الجنة؛ فهذا هو المأمور به فى الظاهر أن يلقن المحتضر بالشهادتين، ليختم له بذلك ليموت عليه، و تأويل ذلك فى الباطن توقيف المنقول فى حالات دعوة الحق على حقائق التوحيد، و الإقرار بصاحب الشريعة، و الّذي جاء به مما يتلى عنده من القرآن فى ذلك هو مما يحقق ذلك، و يشهد له من كتاب اللّه جل ذكره، فيؤكد ذلك عنده بالقرآن.
و يتلو ذلك ما جاء من بشرى المؤمن إذا حضره الموت بما يعانيه من ثواب اللّه جل و عز و أن من ذلك قول اللّه جل من قائل: لهم البشرى، فى الحياة الدنيا، و فى الآخرة، فذلك يكون فى ظاهر الأمر، و فى باطنه، فيبشر المؤمن عند انتقاله من الدنيا إلى الآخرة، و عند انتقاله فى حدود الإيمان، و دعوة الحق من حد إلى حد.
و يتلو ذلك ما جاء من أن تشديد الموت على المؤمن يكون كفارة لذنوبه، و تسهيله عليه تخفيف عنه و رحمة له، فذلك كذلك فى الظاهر، و تأويله فى الباطن أن التشديد على المنقول فى دعوة الحق من درجة إلى درجة، فيما يعامل به يكون