تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٨٦

لا يقبل من عباده ما افترض عليهم حتى يقوموا به ظاهرا و باطنا كما لم يقبل الإيمان به و التصديق لرسوله الّذي هو أصل الإيمان إلا بقول ظاهر باللسان و اعتقاد باطن فى القلب، و لو قال قائل بلسانه و لم يعتقده بقلبه لم يقبله منه جل ذكره فيما بطن عنده، و لو اعتقده بقلبه و لم يقله بلسانه لم يقبله فى الظاهر الّذي افترضه كما لا يكون المشرك داخلا فى حكم ظاهر الإسلام حتى يلفظ به بلسانه و لا يكون فى باطن ما عند اللّه مسلما حتى يعتقد ما قاله بلسانه بقلبه، و من ذلك قوله جل ذكره لمحمد نبيه (صلع):

«إِذٰا جٰاءَكَ الْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ» [١] فأكذبهم فى قولهم لما علم أنهم لم يعتقدوا ما قالوه بقلوبهم و لم يقبل ذلك منهم، و من ذلك قوله جل من قائل: «وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظٰاهِرَةً وَ بٰاطِنَةً» [٢] و من أجل نعمه ما تعبد العباد به و جعله لهم سببا لنيل النعمة العظيمة الدائمة من الثواب فى دار المآب فأخبر أن ذلك لا يكون إلا ظاهرا و باطنا و قال: «وَ ذَرُوا ظٰاهِرَ الْإِثْمِ وَ بٰاطِنَهُ» [٣] فلم يقبل ترك ما نهى عنه إلا ظاهرا و باطنا كما لم يقبل ما أمر به إلا كذلك، فجعل كل شي‌ء مما تعبد العباد به ظاهرا و باطنا و افترض عليهم أن يأتوا به كذلك، و دل بما أودع أولياءه من الحكمة و البيان على ذلك ليؤدوه إلى من استجاب لهم و أقبل عليهم و أخذ منهم ليقيموا ذلك كما افترضه عليهم و يعبدوه بمعرفة و يعملوا بما أمرهم بالعمل به و ينتهوا عما نهاهم عنه بعلم به، و لم كان ذلك و السبب فيه الّذي أوجبه فى الظاهر و الباطن بحسب ما افترضه جل ذكره على لسان رسوله محمد (صلع) أن الصلاة لا تجزى و لا تقبل إلا بمعرفة و طهارة؛ فمن لم يعرف الرسول الّذي جاء بفرض الصلاة و لم يصدقه لم تقبل صلاته فى الظاهر و لا فى الباطن و كذلك من لم يعرف إمام زمانه و يتولاه لم يقبل ذلك كذلك منه و إذا صلى فى الظاهر بغير طهارة ظاهرة بالماء الظاهر لم تقبل صلاته و إذا دخل فى دعوة الحق التى مثلها فى التأويل مثل الصلاة و لم يتطهر بالعلم من الكفر و الشرك و الشك و المعاصى و كان مقيما على ذلك أو على شي‌ء منه لم يكن من أهل دعوة الحق، ثم قال رسول اللّه (صلع): لا صلاة إلا بزكاة فأبان بذلك قول اللّه عز و جل: «وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ» [٤] و قوله: «وَ أَقِيمُوا*


[١] سورة المنافقون: ١.

[٢] سورة لقمان: ٢٠.

[٣] سورة الأنعام: ١٢٠.

[٤] سورة فصلت: ٦، ٧.