تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٧
مقدمة المحقق
الفاطميون فى حكم التاريخ
كثيرا ما رأينا بعض المتصدين لتحصيل الحوادث التاريخية تجرى أقلامهم طوعا لهواهم أو لهوى غيرهم بآراء و متناقضات يخلقونها فى أنفسهم تخييلا و يقدمونها إلى العالم دليلا، و بهذا تضطرب الآراء و الأفكار و تحتجب الشمس عن الأنظار. على أنى لا أحاول أن أقوّم دولة الفاطميين فى كلمتى هذه. و لكنى أريد أن أضع حدّا للمزاعم التى طوقت بأوهامها الخانقة عصرا يهم العالم الإسلامى و يعنى المصريين و أبناء العرب بوجه أخص، و اعتقادى أن للعوامل السياسية دخلا كبيرا فى إلقاء الظلام الحالك على ضوء الحقيقة الساطع و إطلاق الأفاعى المهلكة فى ربوات الروضة الغناء. إن المؤرخ من هذا النوع واحد من ثلاثة: رجل يطمع فى مغانم الدولة فتراه يحسن مثالبها و يطوى معايبها و يبتدع لها الإطراء المحكم و الثناء المنمنم، حتى يقيم لها فى الفردوس بنيانا، و يستقل لها الجوزاء مكانا. و رجل يحمله سلطان الحكومة على الكيد لخصومها و الزراية على أعدائها، فيبري من قلمه سهما مسموما يرسله بالأغلاط و الأوهام حتى يضعهم من كتابه فى قفص الاتهام. و ثالث يجهل الحقائق فيعمد إلى الأباطيل و يعوزه البيان فيخلق الأضاليل: و من هؤلاء و أولئك وقعت الأخطاء المتكررة فى كل زمان، و انخدع بهم طلاب الإنصاف و رواد الحقيقة بالرواية عنهم و التأثر بهم. إذ يظنون قولهم فصلا و حكمهم عدلا. و بذلك تنشأ عن الأفراد و الجماعات خرافات و خزعبلات تنمو مع الأجيال و تتضخم، حتى إن المنصفين أنفسهم قد يخطئون فى تقدير أطوار الشعوب و تقلبات الأمم و وضعها الموضع الصحيح من التاريخ، و ذلك حين يحكمون بالحوادث الفردية على الحياة الاجتماعية و يتخذون منها منطلقا يفرضون له النتائج و المقدمات؛ فإن كثيرا ممن ينتمون إلى الفرق الإسلامية كانت لهم فى حياتهم الشخصية نزوات و شذوذ، و كانت لهم آراء فى المعتقدات، لم يكتف المؤرخون بنقلها عنهم و لكنهم نسبوها إلى عقائد شيعتهم أو مذاهب فرقتهم، و بهذا أصبحت