تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٤
المجلس السابع من الجزء الثامن:
بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ الحمد للّه خالق الخلق و بارى البرايا و واهب النعم و مجزل العطايا، الفرد الواحد الجواد الماجد و صلى اللّه على خيرته من خلقه و صفوته محمّد نبيه و الأئمة من ذريته؛ ثم إن الّذي يتلو ما تقدم ذكره من تأويل كتاب الزكاة من دعائم الإسلام ذكر صدقة الإبل: قد ذكرنا فيما تقدم أن أمثال الإبل فى الباطن أمثال النطقاء، و ذكرنا الشواهد و الدلائل فيها لذلك و جاء بعد ذلك فى كتاب الدعائم عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال: ليس فى أربع من الإبل شيء فإذا كانت خمسا سائمة ففيها شاة ثم إن ليس فيما زاد على الخمس شيء حتى تبلغ عشرا فإذا كانت عشرا ففيها شاتان إلى خمس عشرة فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياه فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياه، فهذا هو الفرض فى صدقة الإبل فى الظاهر و هو الّذي يجب فيما بين الخمس إلى عشرين من الغنم و هى أربع شياه و ليس فى صدقة الإبل مما يخرج غنم غيرها و تأويل ذلك فى الباطن أن الناطق الّذي هو الرسول فى عصره لا يصير إلى حد الرسالة حتى يرتقى فى درجات قبل ذلك فإذا صار إليها ارتقى فيها كذلك درجة بعد درجة و أمده اللّه عزّ و جلّ من العلم و الحكمة بحد من ذلك بعد حد، و من ذلك قول اللّه أصدق القائلين: «وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمّٰا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأىٰ كَوْكَباً- إلى قوله- وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» [١]، فأخبر عن ارتقائه من حد إلى حد بما تقدم ذكره، و تأويله و منه ما حكاه عز و جل عن يعقوب من قوله ليوسف: «وَ كَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحٰادِيثِ وَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ عَلىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمٰا أَتَمَّهٰا عَلىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» [٢] فتمام النعمة إنما يكون على ما ذكرنا شيئا بعد شيء حتى يكون التمام و من ذلك قول اللّه عز و جل لمحمد نبيه (صلع): «وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِرٰاطاً مُسْتَقِيماً وَ يَنْصُرَكَ اللّٰهُ نَصْراً عَزِيزاً» [٣]، و قوله: «وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىٰ أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوىٰ وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدىٰ وَ وَجَدَكَ عٰائِلًا فَأَغْنىٰ» [٤]؛ فأخبر عما نقله إليه
[١] سورة الأنعام: ٧٥ إلى ٧٩.
[٢] سورة يوسف: ٦.
[٣] سورة الفتح: ٢ و ٣.
[٤] سورة الضحى: ٥ إلى ٨.