تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٨
الظنون و لا تراه العيون و لا يوصف بالحواس و لا يدرك بالقياس و لا يشبه بالناس، فهو المنزه عن ضد مناف أو ند مكاف أو شبه شيء، تعالى عن شبه المحدودين و تحيرت الأوهام فى نعت جبروته، و قصرت الأفهام عن صفة ملكوته، وكلت الأبصار عن إدراك عظمته، ليس له مثل و لا شبه، و هو غير ذى ند و غير ذى ضد لأن الضد إنما يضاده مناف دل على هويته بخلقه و آثاره على أسمائه بأنبيائه، فليس للعقل فى نيل سمائه مجال أو تشبيه إذ أن تشبيه المبدع بمبدعه محال، فهو سبب كل موجود لأنه مبدع المبدعات و مخترع المخترعات و سبب كون الكائنات و رب كل شيء و خالقه و متممه و مبلغه إلى أفضل الأحوال، جل أن يحده تفكير أو يحيط به تقدير ليس له أسماء لأن الأسماء وضعت لموجوداته و لا صفات لأن الصفات من أيسياته، و إن حروف اللغة لا يمكن أن تؤدى إلى لفظ اسمه أو أن يطلق عليه شيء منها لأنها جميعا من مخترعاته، و إن كل الأسماء التى أبدعها جعلها أسماء لمبدعاته. فهو قديم و قبل الأزل و صاحب مصدر الأولية بالترتيب، لأن الحد الأول انبثق منه و الموجود الأول فاض عنه، و هو مبدع المبدعات و معل العلل و بارى البرايا و الدائم الموجود المعروف بفرديته و صمدانيته و صاحب فعل الإيجاد الأول للعدد الأول الّذي جعله أصلا للأعداد، كما أن العقل جعله أصلا للموجودات، و الناطق أصلا لعالم الدين و يضاف إلى كل هذا بأنه لا ينال بصفة من الصفات، و أنه ليس جسما و لا هو فى جسم و لا يعقل ذاته عاقل و لا يحس به حاس، و هو ليس بصورة و لا بمادة و لا يوجد فى اللغات ما يمكن الإعراب به عنه، و هو موجود لأنه لا يصح أن يكون غير موجود، و لا أن يكون موجودا من نوع الموجودات التى وجدت عنه، و أما الاستدلال عليه فيستخلص من وجود الموجودات الأخرى و ذلك بأن لا معلول بدون علة و لا موجود إلا بما يوجب وجوده، و أن الموجودات يستند بعضها إلى بعض فى وجوده، و أن بعض الّذي يستند إليه البعض الآخر أيضا من الموجودات غير ثابت فى الوجود و غير موجود.
و بعد ذلك ينتقل السجستانى إلى الموجودات بالتسلسل و الترتيب فيقول:
إن المبدع لم يوجد فى أول الحلقة غير العقل و حصر فى جوهره صور المبدعات كلها، و يضاف إلى العقل اسم «القلم» لأن بالقلم تظهر نقوش الخلقة منذ الابتداء