تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٤٢
و كذلك قال بعض المتعبدين: إنى لأخشى أن لا أوجر على الصوم لأنى ما اجد له مشقة، و ذلك لما أطاله، و تمادى عليه، و صار له عادة، فلا يجد جوعا و لا عطشا إلا فى الوقت الّذي اعتاد فيه أن يأكل و يشرب عند إفطاره، فالمؤمن إذا انتقل من درجة إلى ما هو أعلى منها سر و استراح، و زادت بصيرته، و قوى يقينه، و خف عليه العمل و إن أكثر منه و زاده، فهذا معنى الراحة من العمل، فى معنى باطن الموت لا على أنه يطرح مع ذلك شيئا منه بل يزيد من ذلك، و لا يسقط العمل إلا بالموت الظاهر، و النقلة من دار العمل إلى دار الجزاء لأن الدنيا دار عمل، فالعمل فيها لازم لأهلها حتى ينتقلوا منها، و لو سقط العمل فيها لسقطت الطاعة فلم يكن فيها إمام، و لا يجب على أهلها جهاد عدوّ، و لا طاعة ولى لأن ذلك من أوجب الأعمال، فيكون ذلك لو كان سبب انقطاع الإيمان، و المؤمنين، فاحذروا التهاون. بالأعمال و اطراح شيء منها أيها المؤمنون، و تزودوا منها و ادخروها لما أنتم إليه صائرون، و احذروا تشبيه المتأولين الضالين عليكم بمثل هذا و غيره مما يجرى فى ظاهر القول أن يستعملوه فى باطن، فإن لكل شيء حدّا، و حكما يجرى عليه، فلا يعدوه، و من أجل القياس و الرأى و القول بالهوى هلك من هلك، و ضلوا عن سواء السبيل، و تركوا اتباع الدليل، فاعملوا بما تؤمرون، و تناهوا عما تنهون، فإن ما وجب بنص من اللّه عز و جل و على ألسنة أوليائه لم يسقط إلا بنص كذلك عليه منهم شفاها من قبلهم أو بإبلاغ الثقات عنهم، فاعملوا ذلك، و اعملوا عليه، و خذوا أنفسكم به وفقكم اللّه لما يرضيه.
و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و عن الأئمة عليهم السلام، بعقب ذلك فى كتاب دعائم الإسلام، من النهى عن الغفلة عن ذكر الموت، و ذم الغافلين عن ذلك، و المتهاونين به، و قد تقدم قبل هذا ذكر الأمر بذكر الموت، و البيان على ظاهر ذلك و باطنه. و التهاون بذلك فى الظاهر و الباطن ضد الأمر به و خلافه، فينبغى للمؤمن ألا يغفل عن ذكر ذلك، و لا يتهاون به، فإنه إن فعل ذلك ترك العمل أو قصّر فيه الّذي به تنال الحياة الدائمة بعد الموت الظاهر، و ما يوجبها بالموت الباطن، و قد تقدم بيان ذلك، فافهموا أيها المؤمنون، تأويل ظاهر ما تعبدكم اللّه عز و جل بإقامته ظاهرا و باطنا، أعانكم اللّه على ذلك،