تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٩٣

فيه و نيته للّه جل و عز فإذا أخرج صاحب المال زكاته منه طيبة بها نفسه و وضع ذلك موضعه فدفعه إلى ولى زمانه أو إلى من أقامه لقبض ذلك منشرحا به صدره يبتغى بذلك رضوان ربه و تحصين ماله واثقا بذلك من اللّه جل ذكره، و مصدقا لما جاء فيه عن رسول اللّه (صلع) لا يريد بذلك رياء و لا سمعة و لا يداخله فيه شك و لا شبهة، كان ذلك تحصين ماله من الهلاك فطاب له و حل له ما بقى منه إذا صدقت نيته فيه، و من هذا ما يؤثر عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال: اعتل محمد بن خالد أمير المؤمنين لوجع أصابه فى جوفه فعاده أبى، محمد بن على صلوات اللّه عليه؛ فقال له ألا أحدثك حديثا حدثنيه أبى عن أبيه عن جده عن على صلوات اللّه عليه، قال و ما هو يا أبا جعفر؟ قال: قال على صلوات اللّه عليه: اشتكى رجل إلى رسول اللّه (صلع) وجعا يجده فى جوفه فقال له خذ شربة من عسل و ألق فيها ثلاث حبات من شوانين أو خمسا أو سبعا فاشربه تبرأ بإذن اللّه؛ ففعل فبرئ، فافعل ذلك أنت تبرأ بإذن اللّه فاعترض رجل ممن كان فى المجلس فقال يا أبا جعفر فقد روينا هذا الحديث كما قلت و جربنا ذلك فما رأيناه ينفع فغضب أبى رضوان اللّه عليه و قال إنما ينفع اللّه بهذا أهل الإيمان و اليقين فأما منافق يأخذه على غير تصديق لرسول اللّه (صلع) و إنما يأخذه على سبيل التجربة فليس ينفعه اللّه به، فأفحم الرجل و خجل، و كذلك هذا و كل شي‌ء من أعمال الخير إذا لم تصحبه النية و الإخلاص لم ينتفع به صاحبه، فى عاجل و لا آجل و لا فى ظاهر و لا باطن، و تأويل ذلك فى الباطن أن كل ذى علم لا يعمل به، و لا يبذل الواجب فيه لمن أطلق له بذله يهلك لذلك علمه. و معنى هلاكه أنه لا ينتفع به صاحبه كما لا ينتفع بكل شي‌ء إذا هلك.

و يتلوه ما جاء عن على (صلع) أنه قال قال: رسول اللّه (صلع): ما كرم عبد على اللّه إلا زاد عليه البلاء، و لا أعطى رجل زكاة ماله فنقصت من ماله، و لا حبسها فزادت فيه. و لا سرق سارق شيئا إلا حسب من رزقه، فهذا هو كذلك فى الظاهر و فى الباطن أما فى الظاهر، فإن من كان له مال تجب فيه الزكاة فأخرجها منه لم ينقص ذلك من ماله لأن الخارج فى الزكاة ليس هو من ماله، و إنما هو شي‌ء فى يديه لغيره فماله بحاله لم ينقص منه شي‌ء و أما فى الباطن فإن المفيد إذا أفاد من يفيده ما عسى أن يفيده من العلم فأخذه عنه لم ينقص ذلك من علم المفيد شيئا و هذا من‌