تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٥٣

عنى بذلك أنه سيد الحجج و النقباء و الدعاة لأنهم من سببه و تحت يده و الدعوة المستورة إليه و كذلك هى تكون لكل حجة مع كل إمام و التاج من لباس الملك و إنما يلبس العمامة و يعمم الموتى لمثل فى الباطن و هو ستر الرئيس و كتمان أمره الّذي مثله مثل الرأس؛ فإذا نقل المنقول من درجة إلى درجة كان ذلك لازما له و الّذي جاء من إزالة عمامة الشهيد الّذي أصيب فيها عند دفنه معناه فى الباطن تسليم الرئاسة إلى رئيسه و أن لا يدعى ذلك لنفسه، و مثل السراويل مثل ستر ما أمر بستره من علم مفيده و إن أصاب ذلك و خالطه شي‌ء من علم المنقول لم ينزع عنه و إن كان ذلك لم يخالطه و كان خالصا لمفيده سلم الأمر إليه فيه و لم يدعه لنفسه، و قد ذكرنا مثل عورة الرؤساء و أنها ستر علمهم الّذي لا يكشفونه إلا لمن يصير فى مثل حالهم، و القلنسوة فى مثل حال العمامة و قوله: و لا يترك عليه معقود إلا حل، فذلك فى ظاهر أمر الميت، كذلك يكون لأنه تعقد أكفانه عند رأسه و عند رجليه لئلا تنحل عنه فإذا أنزل إلى قبره حل ذلك عنه، و تأويل ذلك أنه إذا صار إلى الدرجة التى مثلها مثل الدفن حلّ عنه ما كان قد عقد عليه و منع منه فى الدرجة التى كان فيها قبل ذلك و أطلق له.

و يتلو ذلك ما جاء عن الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه قال:

الغرق و الحرق يغسلان و هذا هو الواجب فى الظاهر أن من مات غرقا أو حرقا غسل و صنع به ما يصنع بالميت، و تأويل ذلك فى الباطن أن الميت فى الماء هو المنقول على ما وصفناه فيما تقدم من درجة من درجات دعوة الحق إلى درجة و قد صار من العلم إلى ما استبحر فيه و غرق فى بحره فتحير، و مثل الحرق مثل من أحرقه الباطل و أتلفه فإذا نقل إلى ما يراد به نجاته و حياته كما يكون المنقول بالموت ينقل إلى دار الحياة الدائمة غسل بالعلم الّذي ذكرنا أن مثله مثل الماء، و كذلك يغسل المطيع و العاصى و البر و الفاجر من أهل الملة فى الظاهر و الباطن عند النقلة الظاهرة و الباطنة و قد تقدم البيان على ذلك. و النار عذاب و محنة فإذا خالط الذهب و الفضة اللذين هما من أرفع الجواهر غش أدخل ما خالط منهما ذلك النار و امتحن بها فتذيبه و تأكل ما تداخله من الغش و تنقله فيصفو عند ذلك بعد محنة و شدة تناله فإذا حمى أنزل فى الماء فيبرد و ذلك فى التأويل الباطن مثل المؤمن إذا تداخله الفساد امتحن بما يشق عليه حتى يخلص و يصفو مما خالطه من الفساد ثم يعامل بما يحييه من العلم.