تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٢٠

على ذلك ثم أمره أن يدعو فدعا له بنى عبد المطلب و هم يومئذ أربعون رجلا منهم عشرة يأكل كل رجل منهم الجعة و يشرب الفوق فأتاه بهم فقدم إليهم ذلك الطعام فأكلوا حتى صدوا عنه و هو بحاله و شربوا جميعا من ذلك العس اللبن حتى ارتووا، و بقى بحاله فتعجبوا من ذلك و قالوا سحرنا محمد فى هذا الطعام و الشراب، فقال لهم رسول اللّه (صلع) يا بنى عبد المطلب إن اللّه عز و جل لم يبعث نبيّا إلا جعل له من أهل بيته وزيرا فأيكم يؤازرنى على هذا الأمر فلم يجبه أحد منهم، فقال يا بنى عبد المطلب أطيعونى تكونوا ملوك الأرض و حكامها فأعرضوا عنه فجعل يعرض ذلك عليهم رجلا رجلا فلم يجبه أحد منهم حتى انتهى إلى على صلوات اللّه عليه فى آخرهم و كان أحدثهم سنّا فقال: نعم يا رسول اللّه أنا أفعل ذلك، فقال له: أنت وزيرى فى حياتى و خليفتى بعد وفاتى، و قال لجماعة بنى عبد المطلب قد أوجبت عليكم له السمع و الطاعة له فانصرفوا يستهزءون و يقولون لأبى طالب قد أمرك ابن أخيك بطاعة ابنك فصار يومئذ بابا لرسول اللّه (صلع) و وزيرا له و أقبل عليه بعلم الوزارة الّذي يجب له و ذلك مثل اللبن الّذي به يقوى المولود و معنى ابن لبون لأنه قد صار بمنزلة الرضيع من لبن أمه و ذلك حد جليل من حدود العلم أجل مما كان عنده قبل ذلك، و ذلك مثل بنت لبون فى الزكاة فى الظاهر فى صدقة الإبل الواجبة فيما زاد على خمس و ثلاثين من الإبل.

و يتلو ذلك ما جاء فى كتاب الدعائم عن جعفر بن محمد صلى اللّه عليه أنّ الإبل إذا بلغت خمسا و أربعين فزادت واحدة فما فوقها ففيها حقة، و الحقة التى قد أكملت ثلاث سنين و دخلت فى الرابعة و استحقت أن تحمل عليها الحمل و الفحل و من ذلك قيل حقة طروقة الفحل و هذا هو الواجب فى الظاهر فى صدقة الإبل و مثله فى التأويل الباطن مثل إخوة الناطق و ذلك أنه ينصب أخا يشركه فى أمره، كما قال موسى عليه السلام فيما حكاه عز و جل عنه فى القرآن: «وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هٰارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» [١] و لما أمد اللّه عز و جل نبيه محمدا صلى اللّه عليه بما أوجب ذلك من العلم و لم يأته الأمر بذلك قال فيما روى عنه (صلع): أقول كما قال أخى موسى رب اشرح لى صدرى و يسر لى أمرى و احلل عقدة من لسانى يفقهوا قولى و اجعل لى وزيرا من أهلى عليّا أخى اشدد به أزرى و أشركه فى أمرى، فأمره اللّه‌


[١] سورة طه: ٢٩- ٣٢.