تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٢
استقبلت الشمس بوجهها و إذا أسنت و بزلت استدبرتها، و مثل ذلك فى التأويل الباطن أن النطقاء فى ابتداء أمورهم يقومون بالظاهر و الباطن من أمر الدين، فإذا امتد الأمر لهم و أقاموا الأسس و الحجج فوضوا إليهم أمر التأويل الباطن و انفردوا بالقيام بظاهر أمر الشريعة، و من ذلك قول رسول اللّه (صلع) لما أقام أساسه عليّا (صلع): من كنت مولاه فعلى مولاه، يعنى من كنت ولى مفاتحته بالبيان فعلى ولى ذلك منه من اليوم. و من الدلائل فى الإبل أنها تجمع السمن فى ظهورها فتأويل ذلك أن الظهر كما ذكرنا فى غير موضع مثله مثل الظاهر، فذلك لأن النطقاء يجمعون الحكمة فى ظاهر شرائعهم، لأن التأويل و البيان إنما يقامان لاستخراج ما فى الظاهر من مخبوء الحكمة و مستورها فيه، و مما فى هذه الثلاثة الأصناف من الدلائل قول اللّه عزّ و جل: «وَ مِنَ الْأَنْعٰامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً» [١] فالحمولة فى لغة العرب- التى نزل القرآن بها- ما يحمل عليه و الفرش الصّغار منها فالإبل تحمل عليها الأثقال و قد بينا معنى ذلك فى التأويل و البقر تحرث بها الأرض فتنبت النبات فذلك مثل إثارة الأسس و الحجج علم التأويل فى دعوة الحق فينبت بذلك المؤمنون و يكثرون، و من ذلك قول اللّه أصدق القائلين: «إِنَّهٰا بَقَرَةٌ لٰا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَ لٰا تَسْقِي الْحَرْثَ» [٢] و إنما كانوا امتحنوا بعد وفاة هارون بإقامة حجة يختارونه على ما وصف لهم من أحواله، و ذلك قولهم لموسى عليه السلام لما قال لهم ذلك: «أَ تَتَّخِذُنٰا هُزُواً» [٣] لما دعاهم إلى ذلك و ليس هو مما يفعله الناس لأنفسهم و لا فعلوه لقول اللّه أصدق القائلين: «وَ مٰا كٰادُوا يَفْعَلُونَ» [٤] و لكن موسى عليه السلام لما أمر بنصب يوشع بن النون إلى أن يبلغ ولى الأمر من ولد هارون وصفه بصفاته لبنى إسرائيل و أخبرهم أن اللّه عزّ و جلّ أمرهم بإقامته خليفة لهارون إلى أن يبلغ ولد هارون ففعلوا ما أمروا به، و لم يفعلوه من ذات أنفسهم كما ظنوا فى أول ما خاطبهم بذلك موسى عليه السلام و استعظموه فلما وصفه لهم و عرفوه بالصّفة بعد أن أخبرهم أن اللّه عزّ و جل أمرهم بإقامته أجابوا ذلك و سارعوا إليه، و فى هذا كلام يطول شرحه و سوف يأتى فى موضعه إن شاء اللّه، و مما فى هذه الأنعام من الدلائل أنها ذات ألبان يشربها الناس،
[١] سورة الأنعام: ١٤٢.
[٢] سورة البقرة: ٧١.
[٣] سورة البقرة: ٦٧.
[٤] سورة البقرة: ٧١.