تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٣٤
مَذْكُوراً» [١]، و قال: «وَ كُنْتُمْ أَمْوٰاتاً فَأَحْيٰاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» [٢]. و قال: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» [٣]، و كل شيء لا روح فيه و لا نموّ له فهو موات و ميت، و كل ما كان له روح و نمو فهو حيوان وحى، فهذا ظاهر الحياة و الموت و الحيوان و الموات، و باطن ذلك و تأويله ما قد تقدم ذكره أن مثل الموت الّذي هذه صفته مثل الكفر. و الضلال و ما جرى مجرى ذلك. و مثل الميت و الموات مثل الكافر و الضال لأن الروح مثله مثل الإيمان، فما لا روح فيه فهو ميت و من لا إيمان له فهو كذلك ميت، و من ذلك قول اللّه جل و عز: «أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّٰاسِ»، و قال فى الكفار: «أَمْوٰاتٌ غَيْرُ أَحْيٰاءٍ»، و قال: «وَ مٰا يَسْتَوِي الْأَحْيٰاءُ وَ لَا الْأَمْوٰاتُ»، فهذا الموت هو الموت المذموم، فى الظاهر و الباطن. و الموت الثانى الّذي يكون فى الظاهر بعد الحياة ليس بمذموم ظاهره، و لا باطنه، و ما لم يكن ظاهره مذموما، فكذلك لا يكون باطنه مذموما، و الموت بعد الحياة قد أصاب- و يصيب- أولياء اللّه، و قد قال اللّه جل و عز لمحمد نبيه صلى اللّه عليه و على آله: «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» [٤]، و مات صلى اللّه عليه و على آله، و من مضى قبله من النبيين. و مات من بعده، و يموت كذلك أولياء اللّه، و جميع عباده، و لا يبقى إلا هو الواحد الّذي لا شيء مثله البائن بالبقاء عن جميع خلقه، و قد جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله أنه قال: «الموت ريحانة المؤمن»، و ذكر من فضله ما سنذكر منه ما جاء فى كتاب الدعائم إن شاء اللّه مما يصحح و يؤكد ما ذكرناه من أنه محمود غير مذموم، و الموت للأحياء سبب النقلة عن دار الدنيا إلى دار الآخرة، و الآخرة أفضل منزلة و دارا من الدنيا، و إن كان من ينقل إليها منهم كما قال اللّه عز و جل شقيّا، و سعيدا، فالسعيد ينقل إلى السعادة، و الكرامة و الثواب. و الشقى ينقل إلى الشقاء. و الهوان، و العذاب. على هذا سبيل الموت الظاهر، فى الأمر الظاهر. و باطن هذا الموت، و تأويله انتقال الأحياء بالحقيقة الذين هم أهل الإيمان، عن حال فيه إلى حال و من درجة إلى درجة
[١] سورة الإنسان: ١.
[٢] سورة البقرة: ٢٨.
[٣] سورة الملك: ٢.
[٤] سورة الزمر: ٣٠.