تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٤٩

صلوات اللّه عليه و على آله أنه لا ينظر إلى عورته غير على وصيه عليه السلام أحد إلا عمى و قد ذكرنا تأويل العورة و أنه العلم الباطن الخفى الّذي لا ينبغى أن يعلمه من قبل النبي غير الوصى، فإن استرق ذلك مسترق من حيث لم يؤذن له فيه و لم يعطه عمى العمى الباطن، و العمى فى الباطن الضلالة، فيضل فاعل ذلك عن الهدى لاستلابه و اختطافه ما ليس له و لا يصح له مع ذلك و لا يثبت عند علم شي‌ء منه بل يكون من ذلك فى عمى و حيرة و لا يفهم منه قليلا و لا كثيرا و كذلك كل من تناول من مثل ذلك ما لم يعطه أو أعطاه إياه من تعدى فى إعطائه و هو لا يستحقه أو لم يبلغ إلى حد يجب له إطلاقه فيه و من أجل ذلك هلك من هلك و ضل من ضل.

و يتلو ذلك ما جاء عن أبى جعفر محمد بن على صلوات اللّه عليه أنه ذكر غسل جبرئيل و على صلوات اللّه عليهما رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله و أنهما غسلاه ثلاث غسلات غسلة بالماء و الحرض و غسلة بالماء و الكافور و غسلة بالماء محضا و ما جاء بعد ذلك من أن هذه هى السنة في غسل الموتى لمن وجد ذلك فى الظاهر و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل غسل الميت بالماء مثل تطهير المنقول عن درجة من درجات حدود الدعوة إلى درجة بالعلم الّذي يفاتحه به من ينقله إليها مما ينبغى له أن يفاتحه به فيها و يطلعه على ما لم يكن يطلعه عليه قبل انتقاله إليها و تأويل ثلاث غسلات غسلة منها بالماء و الحرض و غسلة بالماء و الكافور و غسلة بالماء المحض ما قدمنا ذكره من أن الماء مثله فى الباطن مثل العلم فمثل الثلاث غسلات مثل ثلاثة الحدود يرتقى فيها المنقول حدّا بعد حد فى المفاتحة بالعلم الّذي يرقى إليه؛ فيفاتح فى أول حدّ من ذلك بما يزيل عنه الشكوك و الشبهات كما يزال بأول غسلة من الميت بالماء و الحرض و ما هو فى معناه مما ينقى الأوساخ التى مثلها مثل الشك عن البدن فيزيل عنه بما يفاتحه به من ذلك كل شك و شبهة كانت قد دخلت عليه فى أمر دينه، ثم ينقله بالمفاتحة بالعلم إلى حد ثان يوضح له فيه معانى ما نقله إليه و يكشف له من ذلك ما تطيب به نفسه و تقر به عينه و ذلك مثل الغسلة الثانية بالماء و الكافور أو ما هو فى معناه من الطيب و الحنوط، فإذا زالت عنه الشكوك و الشبهات و انكشفت له الأمور التى تطيب بها نفسه نقله إلى درجة ثالثة يفاتحه فيها بالعلم المحض الحقيقى الّذي به حياته و ذلك مثل الغسلة الثالثة بالماء محضا.