تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٣

و من ذلك قول اللّه جل من قائل: «وَ إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعٰامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّٰا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خٰالِصاً سٰائِغاً لِلشّٰارِبِينَ» [١]، فمثل ألبانها الخارجة من بطونها كما قال اللّه جل ذكره مثل العلم الباطن الّذي هو عند أولياء اللّه الذين جعلها دلائل عليهم و أمثالا لهم و ما يكون منها كما يكون منهم و مما فيها من أمثالها أن أبوالها و أوراثها طاهرة لا تنجس ما أصابته، و قد ذكرنا فيما تقدم أن مثل الروث مثل الشرك و مثل البول مثل الشك و لذلك كانا نجسين من غير هذه الأصناف الثلاثة من الأنعام مما لا يؤكل لحمه فكان تأويل ذلك لأنه لا شرك و لا شك فى أمثالها. و من ذلك أن جلودها طاهرة تلبس و يصلى فيها و عليها إذا كانت زكية، و قد ذكرنا أن مثل الجلود مثل الظاهر فكان تأويل ذلك أن ظاهر أمثالها طاهر زكى مما يجب و ينبغى العمل به و استعماله فى دعوة الحق، و قد قال اللّه جل من قائل: «وَ اللّٰهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعٰامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهٰا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَ يَوْمَ إِقٰامَتِكُمْ، وَ مِنْ أَصْوٰافِهٰا وَ أَوْبٰارِهٰا وَ أَشْعٰارِهٰا أَثٰاثاً وَ مَتٰاعاً إِلىٰ حِينٍ» [٢]؛ فأمثال البيوت فى الباطن أولياء اللّه و أسبابهم الذين أقاموهم لصلاح عبادهم، إليهم يأوى المؤمنون على طبقاتهم كل طبقة منهم إلى من أقيم لهم، و من ذلك قول اللّه جل من قائل: «وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰابِهٰا» [٣] تأويله ألا يؤتى أحد منهم إلا من الباب الّذي أقامه، و منه قول رسول اللّه (صلع): أنا مدينة العلم و عليّ بابها، و مثل الجلود و الأصواف و الأوبار و الأشعار مثل الظاهر و عنى بالسكن ما تسكن إليه قلوب المؤمنين من علم أولياء اللّه علم التأويل، و بالجلود و الصوف و الوبر و الشعر ظاهر هم فلذلك يعمل به و يستمتع منه إلى حين دفع الأعمال بحضور الساعة، و من أمثالها أن الإبل لا قرون لها تناطح بها كما ذلك للبقر و الغنم، و مثل ذلك فى التأويل أن النطقاء لا يجادلون المخالفين إلا بالسيف كما تعض الإبل بأسنانها. و تناطح البقر و الغنم فى التأويل مثل الجدال و الرد على المخالفين؛ فافهموا التأويل أيها المؤمنون فهمكم اللّه و نفعكم و هداكم و وفقكم و سددكم و أرشدكم إلى ما تحظون عنده و تزدلفون به إليه، و صلى اللّه على محمد نبيه و على الأئمة من آله و سلم تسليما، و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.


[١] سورة النحل: ٦٦.

[٢] سورة النحل: ٨٠.

[٣] سورة البقرة: ١٨٩.