تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٤١
غيره، و يسقط ورقه، و يقال للطاقة من كل ذلك ريحانة، و هو مما يستحب، و يستلذ فأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله أن الموت كذلك يكون المؤمن يستحبه، و يستلذه ظاهره و باطنه، لما يصير إليه من الراحة، و البقاء الدائم فى النعيم بعد حلول الظاهر منه به، و ما يصير إليه من الرفعة و ينال الدرجة، و الفوز و النعيم و الغبطة بعد ما حل به باطنه. و أما الكفار و المنافقون و الضالون، و أهل المعاصى المتهاونون فالموت وبال عليهم الظاهر منه و الباطن؛ لأنهم يصيرون بالظاهر منه إلى العذاب، و هم بالباطن أموات غير أحياء كما وصفهم اللّه سبحانه، فى الكتاب، و كذلك يكون على من كان من أهل الإيمان، ثم ألبس إيمانه بظلم، فى الباطن لأنه إذا امتحن، و ثبت عليه ما يوجب حطه عن درجته التى كان فيها حط بقدر ما اقترف، فإن أخرجه ذلك من الإيمان عاد ميتا إذا فارقه روح الإيمان، و إن أوجب ذلك حطه عن درجته إلى درجة دونها حطّ بقدر ما اقترف، و يستقبل من العمل ما يرقيه بعد ذلك، و يحطه، فيكون الموت فى الظاهر و الباطن على هؤلاء وبالا، و هو على ذلك محمود لأنه يفرق بين الحق، و الباطل، و يوجب الثواب و العقاب، و من ذلك قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله: الدنيا سجن المؤمن، و جنة الكافر؛ فالموت يكون على ذلك سبب خروجه من جنته إلى العذاب الّذي يصير إليه. و يؤيد هذا ما يتلو من كتاب الدعائم، و هو قول رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله: مستريح، و مستراح منه، فالمستريح العبد الصالح استراح يعنى إذا مات من غم الدنيا، و ما كان فيه من العبادة، و صار إلى الراحة و نعيم الجنة، و أما المستراح منه، فالفاجر يستريح منه ملكاه، فظاهر هذا فى ظاهر الموت معروف، و باطنه فى باطن الموت أن المنقول من المؤمنين من درجة إلى ما هو فوقها يستريح من هم ما كان فيه، فى الدرجة التى كان فيها، بانتظار نيل الدرجة التى صار إليها، و يخف و يسهل عليه ما كان فيه من العمل و العبادة، لأن صعوبة الأعمال، و شدتها مع ابتدائها، و كلما مضى العامل عليها ألفها و أنس بها، و سهلت عليه، و استراح من ثقلها، و من ذلك قول الصادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه:
من عمل عملا، من أعمال الخير، فليدم عليه سنة. فلم يرد أنه يقطعه بعد السنة، و لكنه إذا دام عليه سنة ألفه، و صار له كالعادة، و سقطت عنه فيه الكلفة و المشقة،