تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٦٢

و يتلو ذلك ما جاء عن على صلوات اللّه عليه أنه قال يستحب لمن بدا له أن يعين فى حمل الجنازة أن يبدأ بمياسر السرير فيأخذها بيمينه ثم يدور بجوانبه الأربعة، فهذه هى السنة لحمل الجنازة فى الظاهر و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل سرير الميت الّذي يحمل عليه مثل دعوة الحق و ميامنها مثل لأعلى حدودها و مياسرها مثل لمن دونهم من أبوابهم و كذلك ينبغى لمن قصد الدعوة أن يقصد الأبواب كما قال اللّه جل من قائل: «وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰابِهٰا» [١]. و قوله ثم يدور بها: تأويله اعتقاده منازل القائمين بها أجمعين.

و يتلوه قول رسول اللّه (صلع): اتبعوا الجنازة و لا تتبعكم، و إن رجلا قال له:

كيف أصبحت يا رسول اللّه؟ قال خيرا من رجل لم يمش وراء جنازة و لم يعد مريضا، و قول على عليه السلام: إن فضل الماشى خلف الجنازة على الماشى أمامها كفضل الصلاة المكتوبة على التطوع، و روى ذلك عن رسول اللّه (صلع) فإنه يمشى خلف الجنازة حافيا يبتغى بذلك الفضل؛ فالواجب فى الظاهر على من يتبع جنازة أن يمشى وراءها و لا يتقدمها، و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن الجنازة بكسر الجيم فى لغة العرب سرير الميت الّذي يحمل عليه، و الجنازة بفتح الجيم الميت نفسه، و إن مثل السرير فى الباطن مثل الدعوة و مثل حمل الميت عليه فى الظاهر مثل حمل المنقول فى حدود الدعوة إلى حدّ بعد حد منها، و ذلك مثل حمله عليها فى ذاتها لأنه إنما يحمل فى ذلك على سنتها و ما يوجبه حكمها و ذلك مثل قول القائل لمن يريد أن يحكم فيه بالحق احملنى على كتاب اللّه و احملنى على سنة رسول اللّه و احملنى على الحق و أشباه ذلك مما يقال مثل ذلك فيه، و دعوة الحق و من حمل عليها، فالواجب اتباعها و اتباع المحمول عليها و ألا يتقدم عليه و لا عليها و مثل قوله إن عليّا (صلع) كان يمشى خلف الجنازة حافيا فالحافى خلاف الناعل و النعل مثلها فى الباطن مثل ظاهر أهل الخلاف، و منه قول اللّه عز و جل لموسى عليه السلام: «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً» [٢]، ذلك فى أول اتصاله فأمر باطراح ظاهر أهل الخلاف الّذي كان عليه معهم و كذلك يفعل من صار إلى دعوة الحق و اتبعها و ذلك كما ذكرنا مثله مثل اتباع الجنازة‌


[١] سورة البقرة: ١٨٩.

[٢] سورة طه: ١٢.