تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٧٥
بما كسبت أيديهم عمهم ذلك أجمعين فهم اليوم حيث كانوا أذلة تحت أيدى الأمم فى جميع الجزائر، فالنقباء كما ذكرنا أرفع المؤمنين درجة فمن بلغ من المؤمنين إلى درجة النقباء لم يرق بعد ذلك إلا إلى الحجة، و ذلك مثل الدفن المحمود لأن المدفون قد صار إلى الأرض التى مثلها فى الباطن مثل الحجة و الميت المدفون فى الظاهر قد صار إلى آخر أمره كذلك لا يتزيد فى حسناته و لا يرتقى بعد ذلك إلى منزلة من منازل الدنيا كما ذلك كذلك فى الباطن على ما ذكرناه، و الميت الّذي يلقى على وجه الأرض أو يصلب مثله فى حال الموت المحمود مثل الداعى الّذي يرفع فوق الدعاة و هو دون النقيب لأن هذا إنما صار على وجه الأرض و لم يغب فيها و منه قول اللّه جل ذكره حكاية عن يوسف عليه السلام: «وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ» [١]، و مثل الطير مثل الدعاة و مثل أكلها من رأسه إفادتها عنه ما يفيده من الحكمة و من مثل الطير أنهم فى الباطن الدعاة قول اللّه عز و جل: «وَ حُشِرَ لِسُلَيْمٰانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ وَ الطَّيْرِ» [٢] يعنى فى التأويل الباطن أتباعه من أهل الباطن و أهل الظاهر و الدعاة، و قوله لإبراهيم: «فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ» [٣] و قد ذكرنا تأويل ذلك و بيانه و أنه عنى فى الباطن أربعة من الدعاة؛ فافهموا أيها المؤمنون بيان التأويل و علم باطن الدين، و التنزيل فهمكم اللّه و علمكم و أوزعكم شكر ما أنعم به عليكم، و صلى اللّه على محمد نبيه، و على الأئمة الهداة من ذريته، و سلم تسليما. و حسبنا اللّه، و نعم الوكيل.
المجلس العاشر من الجزء السابع:
بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ الحمد للّه الظاهر بما أظهر لخلقه من عجائب قدرته الباطن بما أودع أولياءه و أهل المعرفة به من أسرار حكمته و صلى اللّه على محمد نبيه و على الصفوة من ذريته؛ ثم إنّ الّذي يتلو ما تقدم القول به من تأويل الجنائز من كتاب الدعائم نسقا على ذكر تأويل الموت و الدفن المحمودين اللذين ذكرنا أن لهما ضدين مذمومين إذ كان الموت فى الظاهر كما ذكرنا نقلة من الدنيا إلى الآخرة يجمع نقلتين منهما نقلة محمودة لمن صار إلى رحمة اللّه و نقلة مذمومة لمن صار إلى عذابه
[١] سورة يوسف: ٤١.
[٢] سورة النمل: ١٧.
[٣] سورة البقرة: ٢٦٠.