تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٤٥

البيعة على النساء ألا ينحن و قال: النياحة على الموتى من أفعال الجاهلية. و عنه عليه السلام أنه كتب إلى رفاعة قاضيه على الأهواز: و إياك و النوح على الميت ببلد يكون لك به سلطان، و عن جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه أنه لما احتضر أوصى، فقال: لا يلطمن على خدّ و لا يشقن على جيب فما من امرأة تشق جيبها إلا صدع لها فى جهنم صدع كلما زادت زيدت؛ فالبكاء بالعين و الحزن بالقلب إذا غلبا على المرء لم يستطع ردهما و ما لم يستطعه الإنسان فهو محمول عنه، قال اللّه عز و جل: لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا [١].

فالتكليف لما لا يستطاع ساقط، و قد جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله أنه قال:

تجاوز اللّه لأمتى عما أكرهت عليه، و قال اللّه جل و عز: إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ [٢] فالصبر على المصاب بالموت الظاهر و الباطن على ما ذكرناه يحبب استعماله ما أمكن منه و قدر عليه و استطيع و ما غلب من ذلك و لم يستطع بعد بذل المجهود فى دفعه و استفراغ الوسع فى استعمال الصبر فلا حرج فيه، و يستعمل من ابتلى بذلك الصبر ما استطاع و لا يسلم نفسه إلى الجزع. و مثل الحزن فى القلب و البكاء بالعين فى الباطن فى الموت الباطن هو مثل ما يعترى من نقل من طبقته وحده و درجته بعض من كان فيها معه إلى غيرها فيداخله من ذلك غم لتخلفه عنه و حزن على نفسه إذا لم يكن نقل معه إذا نقل إلى ما هو أعلى أو على المنقول إذا نقل إلى ما هو أدون مما كان فيه، و هو مع ذلك مسلم للّه ولى أمره راض بفعله و حكمه غير منكر لشي‌ء مما كان منه، فذلك ما لا حرج عليه فيه و يستعمل الصبر و السلو عن ذلك ما قدر عليه و استطاعه كما ذكرنا بمبلغ جهده و لا يدع ذلك ما قدر عليه بوسع استطاعته ما دام ذلك به. و مثل البكاء بالعويل و النياحة و الصراخ فى الموت الظاهر مثل إنكار المنقول عنه بعض أهل طبقة نقلهم على من نقلهم من ولاة أمورهم، و أن يرى أن ذلك من قولهم غير صواب، أو يرى أنه كان يستحق ذلك معهم أو دونهم إن نقلوا إلى ما هو أعلى مما كانوا فيه أو أنهم ظلموا إن نقلوا إلى ما دون ذلك، فهذا هو الأمر المنهى عنه الّذي لا يحل و لا يجوز لأحد أن يعتقده بقلبه و لا أن يلفظ به بلسانه و لا أن يومى إليه.

و يتلو ذلك ما جاء من الرخصة فى النياحة على الأئمة صلوات اللّه عليهم إذا هم‌


[١] سورة البقرة: ٢٨٦.

[٢] سورة النحل: ١٠٦.