تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٩٥

ذلك و يوجب ضده و نقيضه من السوء و المكروه، فهذه جملة القول فى ذلك. و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلع) أنه قال: لا تقوم الساعة حتى تكون الصلاة منّا و الزكاة مغرما. تأويله أنّ الساعة فى تأويل الباطن قائم القيامة و هو آخر الأئمة و به تنقضى الدنيا و لا يكون ذلك حتى تحول أمور الناس قبل ذلك فيمنّ بالصلاة من صلاها، و يرى من أتى الزكاة أنها مغرم عليه غرمها، يكون هذا فى ظاهر أمر الناس و يكون مثل ذلك فى الباطن منهم فيمنّ المستجيبون منهم إلى دعوة الحق التى مثلها فى الباطن مثل الصلاة على من استجابوا له كما منّ قوم بذلك على رسول اللّه (صلع) و أخبر اللّه جل و عز بذلك عنهم فقال: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لٰا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلٰامَكُمْ بَلِ اللّٰهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدٰاكُمْ لِلْإِيمٰانِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ» [١]. و كذلك الدعاة بالدعوة على من دعوه و إنما المنة للّه بذلك وحده كما قال جل ذكره: «بَلِ اللّٰهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدٰاكُمْ لِلْإِيمٰانِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ» و قد شاهدنا بعض ذلك و سمعناه، و قوله و تكون الزكاة مغرما تأويله فى الباطن أن يرى المفيد أن الّذي يفيده المستفيدين منه كالغرم الّذي يثقل على مؤديه فيستثقلون ذلك، و هذا أيضا مما كنا شاهدناه حتى أتى اللّه سبحانه بفضله، و قوله لا تقوم الساعة حتى يكون ذلك فقد كان ذلك، و قيام الساعة ينتظر كما قال اللّه جل و عز و لا يعلم متى يكون ذلك إلا هو لا شريك له كما أخبر فى كتابه.

و يتلو ذلك ما جاء عن عليّ صلوات اللّه عليه أنه قال إن اللّه عز و جل فرض على أغنياء الناس فى أموالهم لفقرائهم قدر ما يسعهم؛ فإن ضاع الفقراء أو أجهدوا أو أعدوا فيما منع الأغنياء فإن اللّه محاسبهم على ذلك يوم القيامة، و معذبهم عذابا أليما، و عن جعفر بن محمد (صلع) أنه قال: إن اللّه عز و جل فرض للفقراء فى أموال الأغنياء ما يكتفون به فلو علم أن الّذي فرض لهم لا يكفيهم لزادهم و إنما يؤتى الفقراء فيما أوتوا من منع من يمنعهم حقوقهم لا من الفريضة لهم، فهذا فى الظاهر هو كذلك، و تأويله فى الباطن أن اللّه جل و عز قد فرض للمستفيدين فروضا من العلم و الحكمة أوجبها لهم على من يفيدهم ممن جعل ذلك له و أعطاه من العلم ما يفيد من دونه منه، و قد علم جل و عز أن فيما حده من ذلك لهم و أوجبه صلاحهم فإن قصر المفيدون بهم. دون ذلك‌


[١] سورة الحجرات: ١٧.