تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٨

تسمع أن فى الشيعة مثلا ما يربو على مئات النّحل و المذاهب فإذا حاولت أن تحصر هذه الطرق الكبيرة و المذاهب العديدة أعياك البحث عن أصولها و الوصول إلى فروعها كما يطالعنا بهذه الأمثلة العديدة صاحب الملل و النحل و صاحب الفرق بين الفرق و العلامة المقريزى.

و نعود إلى صلب الموضوع لنقول:

إن القرامطة و مذهبهم معروف كانوا ينتمون إلى الدعوة الهاشمية و يمتون إلى الدعاة بنسب عريق. و لكنهم ما لبثوا أن أوقدوا نار الحرب، و كان أول حطب لنارها هم الفاطميون أنفسهم. و كذلك بدأ الدروز مذهبهم فى ولاية الإمام الحاكم، و اتخذوا منه شخصية عظمى. و لعل كثيرين من مخترعى هذه الفرق إنما أنشئوها لما كانوا يعلمون من شرف أهل البيت، و أن الانتساب إليهم يبلغ بهم ذروة الشرف و الكرامة، فعمدوا إلى إنشاء تلك المذاهب، فى حين كان البعض الآخر يعمل على تأليف هذه الفرق لعلمه أن الانتساب المباشر إلى أهل البيت يجعلهم مستهدفين لسيف النقمة من خصوم الشيعة و لا ننسى أن حب الظهور و التغلب دفع بعض الأشرار إلى القيام فى فترات بثورات متقطعة كما يعلم ذلك من تتبع سير القرامطة.

إن للفاطميين خصوما، ما كانوا يستطيعون أن يدعوا هذه المدنية تزدهر أو تعيش غير ملوثة بالدماء. و إذا رجعنا بالقارى إلى العلل و الأسباب لم نجد فى الأمر ما يحمل على الاستغراب فإن الأمويين منذ اليوم الأول فى دولتهم كانوا حربا ضروسا على العلويين يقتلون فريقا و يحبسون فريقا، و يسدون منافذ الثروة على فريق ثالث. و كانوا يطلقون ألسنة الخطباء باللعن الجائر الجارح على أعواد المنابر و يشجعون الشعراء من المسلمين أو من النصارى على تمجيد بيت أمية و النيل من آل على بما لا تتسع له هذه العجالة. و لم يكن بنو العباس فى المشرق و لا بقية الأمويين فى الأندلس بأهون ظلما و لا أيسر إعناتا من هؤلاء. لذلك بقى أئمة الفاطميين و دعاتهم مطاردين فى كل مكان مأخوذة عليهم المسالك متقطعة بهم السبل و لم يكن إلى النجاة منفذ إلا الاستتار و الاختفاء.

مضت عليهم القرون الثلاثة الأولى، و هم معرضون لسيوف أعدائهم حتى إذا‌