تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ٤٤
عليهم السلام وجوه من الرغائب فى الصبر و الأمر به و ذم الجزع عند ذلك و النهى عنه و تأويل ذلك ما قدمنا ذكره، و من ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله أنه ذكر له الصبر عند المصيبة بالموت فقال: الأجر مع الصّدمة الأولى، و عن على صلوات اللّه عليه أنه قال: من لم يسل عند فادح المصيبة سلا على طول الزمان كما تسلو البهائم، و هذا يجرى فى الظاهر و الباطن، و يجب و ينبغى الصبر و التجلد فيه فى وقته عند صدمة الموت الظاهر فى الحميم و نقلة الشكل فى الباطن و النظير؛ فمن ملك عند ذلك نفسه و صبر و سلم كان له ثواب ذلك فأجر، و متى لم يفعل ذلك و جزع باء بإثم ذلك و رجع إلى السلو على طول الزمان إذ السلو عن مثل ذلك فى طبع الإنسان.
و يتلوه ما جاء عن على صلوات اللّه عليه أنه قال: و إياك و الجزع فإنه يقطع الأمل و يضعف العمل و يورث الهم، و اعلم أن المخرج فى أمرين ما كانت فيه حيلة فالاحتيال، و ما لم تكن فيه حيلة فالاصطبار، و قال منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد، فالصبر حسن جميل واجب فى جميع الخصال التى تنازع النفس فيها إلى ارتكاب المعاصى و إلى ترك الطاعات و هذه جملة جامعة، و الّذي ذكرناه من تأويل الصبر فى الباطن عند انتقال الأصحاب عن منزلة الصحبة إلى ارتفاع أو انخفاض مما يدخل فى تلك الجملة. و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله:
أنه لما مات ابنه إبراهيم أمر عليّا صلوات اللّه عليه فغسله و أمره فأنزله فى قبره فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله قد دلى إليه بكى فبكى من حوله حتى علت أصوات الرجال على أصوات النساء فنهاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله عن ذلك أشد النهى و قال: تدمع العين و يحزن القلب و لا نقول ما يسخط الرب و إنا بك لمصابون و إنا عليك لمحزونون يا إبراهيم؛ فقالوا: يا رسول اللّه لما رأيناك بكيت بكينا لبكائك؛ فقال: لم أنهكم عن البكاء و إنما نهيتكم عن النوح و العويل و إنما هذه رقة يجعلها اللّه عز و جل فى قلب من يشاء من عباده و يرحم اللّه من يشاء، و إنما يرحم اللّه من عباده الرحماء. و رخص صلى اللّه عليه و على آله فى البكاء بالعين عند المصيبة و قال: النفس مصابة و العين دامعة و العهد قريب فقولوا ما أرضى اللّه و لا تقولوا هجرا، و عن على صلوات اللّه عليه و على الأئمة من ذريته أنه قال: الأنة و النخرة يعنى عند المصيبة من الشيطان. و عنه صلوات اللّه عليه أنه قال: أخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه و على آله فى