تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٧

(صلع) فأسلم و كان مع رسول اللّه (صلع) يكفله و يربيه فأقام له بابا و من ذلك قوله (صلع):

أنا مدينة العلم و عليّ بابها؛ فمن أراد العلم فليأت الباب فكان من أراد الإسلام قصد إليه فاستأذن له عليه و أدخله إليه فكان أفضل النقباء يومئذ و باب الأبواب، و من ذلك قول اللّه عز و جل: «وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰابِهٰا» [١] فكان مثله فى الباطن يومئذ مثل بنت مخاض لأنه قد تهيأ لنيل الدرجة الثانية، و رسول اللّه (صلع) مثقل بما حمله اللّه عز و جل من العلم الّذي يؤديه إذا ارتقى إلى هذه الدرجة إليه كما تكون الناقة مثقلة بالحمل إذا حملت و المرأة الحبلى بالولد إذا علقته، و من ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: «فَلَمّٰا تَغَشّٰاهٰا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّٰا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللّٰهَ رَبَّهُمٰا لَئِنْ آتَيْتَنٰا صٰالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّٰاكِرِينَ» [٢] فقوله تغشاها يعنى ما يتغشى الناطق بالوحى من ذلك العلم فيخف عليه فى الوقت فكلما تطاول الأمر به قبل أن يؤديه إلى من أمر بأدائه إليه فى الوقت المحدود له ثقل ذلك عليه كما يثقل الدين على من يريد أداءه حتى يقضيه من يجب له فكان العلم الّذي أداه رسول اللّه (صلع) إلى بابه من الّذي يجب له من العلم فى حده ذلك هو الواجب عليه فى ذلك الحدّ، و هو أول ما يرقى إليه من يصير الأمر إليه من بعد الناطق و يقوم مقامه من بعده و ذلك مثل واجب الزكاة فى خمس و عشرين من الإبل و هى بنت مخاض و هى أول أسنان الإبل و هو أن يتم لها سنة و ذلك أول ما يحمل عليها أخف شي‌ء تحمله و هو حد البابية فى الباطن الّذي ذكرناه، و قد ذكرنا أن الإبل أمثال النطقاء و كان أفضل النقباء من الأربعة الذين دعاهم رسول اللّه (صلع) بعد على (صلع) أخاه جعفر بن أبى طالب عليه السلام فجعل رسول اللّه (صلع) جزيرة العرب لعلى عليه السلام و أقامه بابا له على ما قدمنا ذكره و من ذلك قول رسول اللّه (صلع) على سيد العرب قيل يا رسول اللّه أو لست سيد العرب قال أنا سيد ولد آدم و لا فخر و على سيد العرب، و كان أقرب الجزائر إليه و أهمها عليه بعد ذلك جزيرة الحبش لما هاجر إليها من المسلمين الذين فتنهم المشركون و لجئوا إلى النجاشى ملكها و أرسل إليه المشركون بهدايا مع عمرو بن العاص و غيره ليردهم إليهم فجعل أمرها رسول اللّه (صلع) لجعفر بن أبى طالب عليه السلام و أخرجه إليها و رسول اللّه (صلع) يومئذ بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، فوصل جعفر بن أبى طالب عليه السلام إلى النجاشى فدعاه إلى الإسلام‌


[١] سورة البقرة: ١٨٩.

[٢] سورة الأعراف: ١٨٩.