تأويل الدعائم - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١١٠
الأمر من بعده، و كذلك يجرى ذلك فى الباطن على ما ذكرناه أن من وجب عليه أن يفيد من دونه فلم يفعل ذلك حتى هلك المستفيد فقد قصر عما كان يجب له و عليه أن يفيد ذلك من يجب له أن يفيده إياه من بعده و لا يمسك ذلك عمن وجب له، و معنى الوكيل فى الباطن فى هذا الموضع أن يكون المستفيد لا يصل إلى المفيد فيقيم من يؤدى ذلك إليه إذا كان يجب ذلك له. و يتلوه ذكر زكاة المواشى، و المواشى فى اللغة جميع ما يمشى و خص بهذا الاسم الأنعام و الّذي يجب فيه الزكاة منها الإبل و البقر فى الباطن أمثال الأسس الذين هم أوصياء الأنبياء فى أزمانهم، و القائمون للأمم مقامهم من بعدهم و الحجج الذين هم ولاة عهود الأئمة فى أزمانهم و القائمون للأمم من بعدهم مقامهم و الغنم فى الباطن أمثال الدعاة الذين هم أكابر المؤمنين و يكونون فى بعض المواضع أمثالا لجميع المؤمنين، و وقع على هذه الأصناف الثلاثة اسم الماشية لأنهم يمشون و يسعون فى الأرض لصلاح أهلها و إقامة أمر اللّه عزّ و جلّ فيها، و وقع عليهم أيضا اسم الأنعام لأن اللّه جل و عز أنعم بهم على جميع عباده بما أصاره لهم على أيديهم من الفضل و النعمة و وقع عليهم اسم الحيوان لأنهم أحياء فى الدنيا و الآخرة بحياة الإيمان و لأن اللّه عز و جل أحيا بهم من أحياه من عباده، و أعظم هذه الثلاثة الأصناف الإبل و جعلت كما ذكرنا أمثالا لأعظم الخلائق منزلة و قدرا عند اللّه و هم النطقاء على ما وصفنا، و كانت الإبل من هذه الثلاثة الأصناف هى التى تحمل الأثقال كما ذكر اللّه عز و جل فى كتابه ذلك بقوله: «وَ تَحْمِلُ أَثْقٰالَكُمْ إِلىٰ بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بٰالِغِيهِ إِلّٰا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ» [١]، و كذلك النطقاء صلوات اللّه عليهم هم الذين يحملون أثقال الملكوت التى بها تعبد اللّه عباده؛ فقال اللّه جل من قائل لنبيه محمد صلى اللّه عليه و على آله: «إِنّٰا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا» [٢] و الأعمال التى افترضها اللّه عز و جل على العباد هى أثقالهم و النطقاء هم الذين يحملون ذلك إليهم مع ما حملهم اللّه عز و جل من ذلك على أنفسهم و ما حملهم من علم ذلك و الحكمة فيه من ظاهره ذلك باطنه.
و زكاة هذه الأصناف الثلاثة من الحيوان فى الظاهر طهارة لحومها و شحومها؛ فإذا
[١] سورة النحل: ٧.
[٢] سورة المزمل: ٥.