السيرة النبوية و أخبار الخلفاء - التميمي، أبو حاتم - الصفحة ٤٢٨ - استخلاف أبي بكر بن أبي قحافة الصديق رضي اللّه عنه
منزله و شد على راحلته و أخذ جرابا فيه سويق و أداوة من ماء ثم قال: لا أنزل عن ناقتي هذه إن شاء اللّه إلا لوقت صلاة حتى آتي المدينة، فبينا هو على ثلاثة مراحل من المدينة إذ لقيه عمار فعرفه بالبعير، قال: اعلم يا معاذ أن محمدا قد ذاق الموت و فارق الدنيا، فقال معاذ: يا أيها الهاتف في هذا الليل القار من أنت يرحمك اللّه! قال: أنا عمار بن ياسر، قال: و أين تريد؟ قال: هذا كتاب أبي بكر إلى معاذ يعلمه أن محمدا قد مات و فارق الدنيا، قال معاذ: فإلى من المهتدى [١] و المشتكى؟ فمن لليتامى و الأرامل و الضعفاء؟ ثم سار و رجع عمار معه و جعل يقول: نشدتك باللّه كيف أصحاب محمد قال: تركتهم [٢] كنعم بلا راع [٣]، قال: كيف تركت المدينة، قال: تركتها و هي أضيق على أهلها من الخاتم، فلما كان قريبا من المدينة سمعت عجوزا و هي تذكر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و هي تبكي، فقالت: يا عبد اللّه! لو رأيت ابنته فاطمة و هي تبكي و تقول: يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه [٤]! يا أبتاه! انقطع عنا أخبار السماء، و لا ينزل الوحي إلينا من عند اللّه أبدا، فدخل معاذ المدينة ليلا و أتى باب عائشة فدق عليها الباب فقالت: من هذا الذي يطرق بنا ليلا؟ قال: أنا معاذ بن جبل، ففتحت الباب فقال: يا عائشة! كيف رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند شدة وجعه؟
قالت: يا معاذ! لو رأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يصفار مرة و يحمار أخرى، يرفع يدا و يضع أخرى لما هنأك العيش طول أيام الدنيا! فبكى معاذ حتى خشى أن يكون الشيطان قد استفزه ثم استعاذ باللّه من الشيطان الرجيم، و أتى أصحاب محمد (صلى اللّه عليه و سلم).
ثم ظهر طليحة في أرض بني أسد و مالت [٥] فزارة فيها [٦] عيينة بن حصن بن [٦]
[١] في الأصل: الهادي.
[٢] في الأصل: تركتم.
[٣] في الأصل: راعي.
[٤] من إنسان العيون ٣/ ٤٦٨، و في الأصل: المنعا.
[٥] في الأصل: قالت.
(٦- ٦) في الأصل: بحينة بن حصين من- كذا خطأ.