المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١٦ - خروج الرشيد إلى ناحية خراسان
كأني و اللَّه عنيت بما في هذا القرطاس. ثم رمى به مزيدة [١]، فأخذته، و وثب فدخل، فإذا فيه شعر لأبي العتاهية: [٢].
هل أنت معتبر بمن خربت * * * منه غداة قضى دساكره
و بمن أذلّ الدهر مصرعه * * * فتبرأت منه عساكره
و بمن خلت منه أسرته * * * و بمن خلت منه منابره
أين الملوك و أين جندهم * * * صاروا مصيرا أنت صائره
يا مؤثر الدنيا بلذته * * * و المستعد لمن يفاخره
نل ما بدا لك أن تنال من الدّنيا * * * فإن الموت آخره
قال: فمات في سفرته تلك.
قال علماء السير/: و دخل الرشيد جرجان، فوافته خرائن علي بن عيسى على ألف بعير و خمسمائة بعير، ثم رحل من جرجان و هو مريض إلى طوس، فأقام بها إلى أن توفّي، و اتّهم هرثمة [٣]، فوجّه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاث و عشرين ليلة إلى مرو، و معه عبد اللَّه بن مالك، و يحيى بن معاذ، و أسد بن يزيد في آخرين. و كان بين هرثمة و أصحاب رافع فيها وقعة، ففتح فيها بخارى، و أسر أخا رافع بشير بن الليث، فبعث به إلى الرشيد و هو بطوس، فدخل به عليه و هو ينظر في المرآة و يقول: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [٤]. فنظر إليه فقال: يا ابن اللّخناء، إني لأرجو ألّا يفوتني رافع كما لم تفتني أنت. فقال: يا أمير المؤمنين، قد أظفرك اللَّه، فافعل ما يحبّ اللَّه، و لعل اللَّه أن يليّن لك قلب رافع إذا رأى أنك قد مننت عليّ! فغضب و قال: و اللَّه لو لم يبق من أجلي إلّا أن
[١] في الأصل: «مربده».
[٢] ديوان أبي العتاهية ص (١٠٦) ط. دار الكتب العلمية و (٢٠٥- ٢٠٦) ط. صادر و ما بين المعقوفين.
البيت الثاني في الديوان:
و بمن خلت منه مدائنه * * * و تفرقت منه عساكره
[٣] في ت: «هرنمه».
[٤] سورة: البقرة، الآية: ١٥٦.