المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٠٧ - ١٠٥٢- العباس بن الأحنف بن الأسود بن طلحة، أبو الفضل الشاعر
أبي، حدّثنا عبد اللَّه بن أبي سعد، حدّثنا عبد اللَّه بن الربيع قال: قال هارون الرشيد في الليل بيتا و أراد أن يشفعه بآخر فامتنع القول عليه، فقال: عليّ بالعباس بن الأحنف، فلما طرق ذعر و فزع أهله، فلما وقف بين يدي الرشيد/ قال: وجّهت إليك لبيت قلته، و رمت أن أشفعه بمثله فامتنع القول عليّ. فقال: يا أمير المؤمنين، دعني حتى ترجع إليّ نفسي، فإنّي تركت عيالي على حال من القلق عظيمة، و نالني من الخوف ما يتجاوز الحد و الوصف. فانتظر هنية، ثم أنشده:
جنان قد رأيناها * * * و لم نر مثلها بشرا
فقال العباس:
يزيدك وجهها حسنا * * * إذا ما زدته نظرا
فقال له الرشيد: زدني.
فقال العباس:
إذا ما الليل مال عليك * * * بالظلماء [١] و اعتكرا
و دجّ فلم تر قمرا * * * فأبرزها ترى القمرا
فقال له الرشيد: قد ذعرناك و أفزعنا عيالك، و أقل الواجب أن نعطيك دينك فأمر له بعشرة آلاف درهم، و صرفه [٢].
أخبرنا القزاز، أخبرنا أحمد بن علي، أخبرنا عبيد اللَّه بن عبد الرحمن الزهري، حدّثنا محمد بن القاسم الشطوي، حدّثنا أحمد بن عبيد قال: سمعت الأصمعي يقول:
بينا أنا قاعد يوما في مجلس بالبصرة، فإذا أنا بغلام أحسن الناس وجها و ثوبا، واقف على رأسي، فقال: إن مولاي يريد أن يوصي إليك، فأخذ بيدي حتى أخرجني إلى الصحراء، فإذا بالعباس بن الأحنف ملقى على فراشه، و إذا هو يجود بنفسه و هو يقول:
يا بعيد الدار عن وطنه * * * مفردا يبكي على شجنه
كلما جد النجيب [٣] به * * * زادت [٤] الأسقام في بدنه
[١] في تاريخ بغداد «بالأظلام»
[٢] تاريخ بغداد ١٢/ ١٣١.
[٣] في تاريخ بغداد: «النجباء».
[٤] في تاريخ بغداد: «دارت».