المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٨٠ - ثم دخلت سنة تسعين و مائة
و فيها: خرجت الروم إلى عين [١] زربة، و كنيسة السّوداء، فأغارت و أسرت، فاستنقذ أهل المصيصة ما أخذوا [٢].
و فيها: فتح الرشيد هرقلة [٣].
و كان من خبر غزاة الرشيد أن الروم كانوا ملّكوا امرأة لم يكن بقي في زمانها من أهل المملكة غيرها، فكانت تكتب إلى المهدي و الهادي و الرشيد بالتبجيل و التعظيم، و تهدي لهم، حتى بلغ ابنها، فجاءه الملك دونها، و عاث و أفسد، و تغير على الرشيد، فخافت على ملك الروم أن يذهب، لعلمها بسطوة الرشيد، فسملت عيني ابنها، فبطل ملكه، و عاد إليها، فعظم ذلك عند أهل مملكتها و أبغضوها، فخرج عليها نقفور- و كان كاتبها- فأعانوه و عضدوه، و قام بأمر الملك، و كتب إلى الرشيد:
من نقفور ملك الروم إلى الرشيد ملك العرب، أما بعد: فإن هذه المرأة كانت وضعتك و أباك و أخاك موضع الملوك، و إني واضعك بغير ذلك الموضع، و عامل على تطرق بلادك، و الهجوم/ على أمصارك، أو تؤدي إليّ ما كانت المرأة تؤدي إليك، و السلام.
فلما ورد الكتاب على الرشيد كتب جواب كتابه يقول:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم، من عبد اللَّه هارون أمير المؤمنين إلى نقفور [٤] كلب الروم، جوابك عندي ما تراه عيانا، لا ما تسمعه.
و قد ذكرنا أنهم تكاتبوا نحو هذا في سنة سبع و ثمانين، فشخص الرشيد إلى بلاد الروم في مائة ألف و خمسة و ثلاثين ألفا من المرتزقة سوى الأتباع، فدخل بلاد الروم، فجعل يقتل و يسبي و يغنم و يعفي الآثار و يخرب الحصون، حتى نزل على هرقلة، و هي أوثق حصن و أمنعه، فتحصن أهلها، و كان لها خندق يطيف [٥] بها، فلما ألح عليهم
[١] في الأصل: «عير».
[٢] تاريخ الطبري ٨/ ٣٢٠. و الكامل ٥/ ٣٤٣. و تاريخ الموصل ص ٣٠٨.
[٣] تاريخ الطبري ٨/ ٣٢٠- ٣٢٢. و الكامل ٥/ ٣٤١، ٣٤٢. و البداية و النهاية ١٠/ ٢٠٣.
[٤] في الأصل: «تقفور» و هي كذلك في بعض المراجع.
[٥] في الأصل: «يطف».