المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٣٨ - ثم دخلت سنة سبع و ثمانين و مائة
الخلافة، فلم يزل محبوسا حتى توفي الرشيد، فأطلقه محمد، و عقد له على الشام [١].
و فيها: نقض صاحب الروم الصلح الّذي كان جرى بين الّذي/ قبله و بين المسلمين، و منع ما كان ضمنه الهالك لهم، و كان سبب النقض: أن الروم كانت عليهم امرأة تملكهم، فخلعوها و ملكوا عليهم نقفور، فكتب إلى الرشيد:
من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي [٢] أقامتك مقام الرّخّ، و أقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثاله إليها [٣]، لكن ذلك ضعف النساء و حمقهنّ، فإذا قرأت كتابي فاردد [٤] ما حصل قبلك من أموالها، و افتد نفسك، و إلا فالسيف بيننا و بينك.
فلما أن [٥] قرأ الكتاب استفزه الغضب، حتى لم يمكن أحدا أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، و تفرّق جلساؤه خوفا، و استعجم الرأي على الوزير [من] [٦] أن يشير عليه أو يتركه برأيه، فدعا بدواة و كتب على ظهر الكتاب:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم. من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، و الجواب ما تراه دون أن تسمعه. و السلام.
ثم شخص من يومه، و سار حتى أناخ بباب هرقلة، ففتح و غنم، و اصطفى، و خرّب و أحرق، و اصطلم. فطلب نقفور الموادعة على خراج يؤديه في كل سنة، فأجابه إلى ذلك، فلما/ رجع من غزوته، و صار بالرّقة نقض نقفور العهد، و خان الميثاق، و كان البرد شديدا، فيئس نقفور من رجوعه إليه، فأتى الخبر بارتداده عما أخذ عليه، فلم يتهيأ لأحد إخباره بذلك إشفاقا عليه و على أنفسهم من الكرّة في مثل تلك الأيام، فاحتيل
[١] تاريخ الطبري ٨/ ٣٠٢- ٣٠٧. و الكامل ٥/ ٣٣٠- ٣٣٣. و البداية و النهاية ١٠/ ١٩٣.
[٢] في الأصل، و ت: «كانت قبل».
[٣] في الطبري: «بحمل أمثالها إليها».
[٤] في الأصل: «فاردده».
[٥] «أن» ساقطة من ت.
[٦] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل،، ت. و أثبتناه من الطبري.