الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٩٥ - الطائفة الخامسة وراثة الكتاب والعصمة في التدبير
كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ* كِتابٌ مَرْقُومٌ* يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ» [١]، فالسابق هو المقرّب وهو الشاهد على أعمال الأبرار، فهو مهيمن على مقام العلّيين الذي يُدوّن فيه كتاب الأبرار، وهو مقام غيبي، وهو الذي أُصطفيَ وورث الكتاب بوراثة لدنية، وقد تقدّم في الطائفة الثالثة أنّ الذي عنده علم الكتاب يحيط بالكتاب المبين الذي يستطرّ فيه كلّ شيء ومنها أعمال الأبرار.
محصّل مفاد الآية [٢]: إنّ السابق هو الذي اصطُفي من العباد، والعباد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم ومقتصد وسابق بالخيرات.
أما الآية الأولى [٣] فهي دالّة على أنّ المفزع والمصدر في الأُمور هو الرسول وأُولي الأمر، وأنّ الواجب على المسلمين إذا انتابهم أمر يمسّ حياتهم الاجتماعية الرجوع والردّ إلى الرسول صلى الله عليه و آله وأولي الأمر للبتّ في شأنه؛ و ذلك لإحاطة تلك الثلّة باستنباط واستخراج ما هو الحقّ في تدبير ما ألمّ بهم من أمر.
فالآية دالّة على أنّ تدبير الرسول صلى الله عليه و آله وأُولي الأمر ليس اجتهادياً ولا ظنّياً كما ذهب إليه أكثر أهل سنّة الجماعة، بل هو تدبير عن علم وإحاطة بالأُمور بأقدارٍ من اللَّه عزّوجلّ. فهذا الاستنباط هو استخراج صُراح الحقّ كما هو أصل معنى الاستنباط لغةً دون المعنى المصطلح عليه المتأخّر في العلوم الدينية، وليس إعمال الموازين الظاهرية التي قد تخطأ أو تصيب، كما لا مجال للخطأ في استخدام الموازين في تدبير الأُمور العامّة من قِبل الرسول وأُولي الأمر.
نعم، قد يوهم إسناده إلى الرسول صلى الله عليه و آله وأُولي الأمر من ناحيتين:
[١] سورة المطففين ٨٣: ١٨- ٢١.
[٢] وهي قوله تعالى: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ».
[٣] سورة النساء ٤: ٨٣.