الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤٥ - المنهج السلفي وعبادة إبليس
القسم الرابع: صلاحية الخيار لهم في البيان والعمل بين الحكم الواقعي والظاهري، بل يمتدّ هذا الخيار في درجات الحكم الواقعي نفسه، حيث بيّن القرآن الكريم أنّ للحكم الواقعي وللحقّ مراتب، إذ قال تعالى: «وَ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ* فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً» [١]، فقرّر تعالى أنّ كلّاً من الحكمين حقّ مع اختلافهما.
وكذلك ما قصّه القرآن الكريم عن النبيّ موسى والخضر عليهما السلام، وقد استعرضت سورة الكهف ثلاث قضايا وهي بالتأمّل ليس من قبيل الحكم الواقعي والظاهري، بل من قبيل الحكمين الواقعيين، أحدهما واقعي أوّلي والآخر تأويلي.
وكذا ما يشير إليه القرآن الكريم من مراتب الهداية، كقوله تعالى: «وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ» [٢]، وقوله تعالى: «وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً» [٣]، وقوله تعالى: «وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى» [٤]، وقوله تعالى: «إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَ زِدْناهُمْ هُدىً» [٥]، وقوله تعالى: «نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَ اغْفِرْ لَنا» [٦]، فتقرّر هذه الآيات أن الهداية إلى الحقّ ذات مراتب مختلفة، ممّا يقتضي أنّ للحقّ مراتب ومدارج وأبدال على الخيار لهم عليهم السلام، وقد أشاروا إلى ذلك في قوله تعالى: «هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ» [٧]، فتقرّر الآية أنّ العطايا اللدنية الإلهية يخيّر فيها المعصوم بين البذل لكلّ مرتبة من تلك المراتب وبين
[١] سورة الأنبياء ٢١: ٧٨- ٧٩.
[٢] سورة محمّد ٤٧: ١٧.
[٣] سورة مريم ١٩: ٧٦.
[٤] سورة طه ٢٠: ٨٢.
[٥] سورة الكهف ١٨: ١٣.
[٦] سورة التحريم ٦٦: ٨.
[٧] سورة ص ٣٨: ٣٩.