الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٥ - قراءة ثالثة للقاعدة العبادة من دون الولاية عصيان وعدوان، والأعمال بدون الولاية آثام
ومضمون هذه الروايات يتضمّن ما تقدّم من أنّ الولاية شرط في الصحّة فضلًا عن القبول، وشرط في أُصول العقائد فضلًا عن الفروع. و يزيد ويمتاز بمعنى ثالث، وهو أنّ تلك الأعمال التي صورتها إيمان وطاعة هي في حقيقتها كفر ومعصية، و هذا المعنى يثقل على السامع تصوّره فضلًا عن تصديقه في الوهلة الأُولى، وتمجّه النفوس وتنفر منه الأذهان وتتلّكأ عنده الألسن، لكن الحقيقة إذا اتضحت معالمها لا مفرّ من الأخذ بها واتّباعها، وإذا حصحص الصبح انقشعت غياهب الظلمة، وليكن تقرير مفاد هذه الروايات هو تقرير الدليل العقلي كما ترشد إليه الروايات بل والقرآن أيضاً، فالأحرى في المقام تقريره.
الدليل العقلي: ويقرّر بأنحاء:
الأوّل: قد مرّ أنّ حقيقة وروح ومخ وقوام العبادة هو بالطوعانية والضراعة والخضوع والتذلّل للباري، والتسليم والسلم والانقياد له، وهو جوهر العبادة والعبودية وقلب ومركز وقطب معناها، فمع خلوّها عنه لا تعدوا أن تكون قشور خاوية اللب وبدن جائف ميتة بلا روح، فهو قوام القربة والتقرّب، فالعبادة والعبودية هي الطاعة والطوعانية، والطاعة هو الانقياد لإرادة اللَّه والخضوع لها.
وأمّا تحكيم إرادة النفس على إرادة الربّ فهو تجرّي واستكبار على العظيم- عزّ وجلّ- وعصيان له.
وإرادة اللَّه لا يهتدي إليها البشر من نفسه، ومن ثمّ احتاج إلى بعثة الرسل، وبمجملات الشريعة ومتشابهاتها لا يحيط البشر بتفاصيل إرادة الربّ من قبل أنفسهم، ومن ثمّ اضطرّوا إلى الحجّة والإمام الراسخ في العلم الذي تكون إرادته ومشيئته هي مظهر مشيئة وإرادة اللَّه. فمن ثمّ امتنع الاطّلاع على إرادات الربّ من دون حجّته وخليفته في أرضه، ومن ثمّ اضطرّ البشر إلى ولاية خليفة اللَّه والمطهّر من عترة نبيّه لكي يطّلع على مواطن إرادات اللَّه ورضاه.
وإلّا امتنع عليهم عبادة اللَّه، و كانوا فيما يمارسونه من طقوس وصور عبادية هي معاصي وتجرّي على اللَّه؛ بتحكيمهم إراداتهم وميولهم وأهوائهم على إرادة