الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٥ - بقاء جميع الكتب السماوية بهم عليهم السلام دعاته تعالى إلى كتبه
واحد» [١].
ومن كلّ ما تقدّم يظهر: شطط ما قيل: «كان مذهب جماهير السلف والأئمّة أنّ شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، ومن حكم بالشرع المنسوخ فلم يحكم بما أنزل اللَّه في القرآن وفيه الناسخ والمنسوخ، فهكذا القول في جنس الكتب، قال تعالى: «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ .... مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً» [٢]» [٣].
حيث لم يفرّق بين دائرة الدين الواحد الذي بُعث به جميع الأنبياء والذي لا نسخ فيه بل تكامل وزيادة بيان، وبين الشريعة والمنهاج الذي هو محلّ النسخ، وتخيل أنّ ما تضمّنته الكتب السماوية المنزلة يقتصر على الشريعة، فهل التوحيد الذي تضمّنته الكتب السماوية قابل للنسخ؟ وكيف حال المعاد كذلك، وكذلك نبوّة الأنبياء؟ مضافاً إلى ما بشّرت به بنبوّة الخاتم صلى الله عليه و آله، وما أنبئت به من الآخرة والجنّة والنار والعوالم ومطلق المعارف الاعتقادية، هل هو قابل للنسخ؟!
لكن لا عجب في الوقوع في مثل هذا الخلط لمن ترك التمسّك بالثقلين اللذين أمر بهما النبيّ صلى الله عليه و آله، ولا يخفى أنّ هذا القائل قد أسقط في استشهاده تمام الآية؛ لأنّه مناقض لدعواه، إذ لفظها: «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً»، فأسقط وصف «مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ»، وليس في الآية لكلّ منكم جعلنا ديناً، بل قال تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ» [٤]، فلاحظ ما تقدّم في صدر المقالة.
[١] الكافي ١/ ٢٣٠.
[٢] سورة المائدة ٥: ٤٨.
[٣] التفسير الكبير لابن تيمية ٤/ ١٠٨.
[٤] سورة آل عمران ٣: ١٩.