تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٣٩ - الثاني مقام عباد اللَّه فوق الأبرار
صافية، فهم الذين يزوّدون الأبرار بذلك المزاج، وقد ورد في رواياتهم عليهم السلام إلى تضمّن سورة المطفّفين في قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ* كِتابٌ مَرْقُومٌ* يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ) [١] الإشارة إلى مسألة الطينة من أنّ نفوس وأرواح الأبرار مخلوقة من فاضل طينة أبدان المقرّبين.
ووجه الإشارة في الآيات أنّ كتاب الأبرار هو عبارة عن نفوسهم وأرواحهم، كما أشير إليه في قوله تعالى: (اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) [٢])، وغيره من الآيات، وهو الطائر الذي في عنق الإنسان، أيفي أعالي وجوده الذي يلقاه يوم القيامة منشوراً، فإذا كان كتاب الأبرار الذي هو في علّيّين، ومرقوم فيه كلّ أعمالهم، يشهده المقرّبون بحواسّهم، فيكون رتبة أرواح الأبرار وأنفسهم، يُشرف عليها، لأنّ الشاهد محيط بالمشهود، وقد جعل الشاهد هنا ذات المقرّب بمراتبها لا مجرّد مرتبة كتابه فقط، بينما الذين في علّيّين من الأبرار، كتابهم لا ذواتهم بتمام مراتبها، بل ذواتهم البدنية في النعيم، وأبهم في السورة مرتبة كتاب المقرّبين، لكن قد تضمّنت الإشارة إلى أنّ كتابهم فوق علّيّين.
وهذا ما اشير إليه فيما رواه الكليني بسنده إلى أبي حمزة الثمالي، قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إنّ اللَّه عزّ وجلّ خلقنا من أعلى علّيّين وخلق قلوب شيعتنا منه، وخلق أبدانهم من دون ذلك، وقلوبهم تهوي إلينا لأنّها خُلقِت ممّا خُلقنا منه، ثمّ تلا هذه الآية: (كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ* كِتابٌ مَرْقُومٌ) [٣].
[١] المطفّفين ٨٣: ١٨- ٢١.
[٢] الإسراء ١٧: ١٤.
[٣] المطفّفين ٨٣: ١٨- ٢٠.