تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٨ - المعلَم الرابع الهداية وافتراقها عن عموم العلم
موالمعدود... وهلمّ جراً، كلّ علم له موضوع يبحث عن اتّصافه بحكم أو بصفة ما يسمّى المحمول، وهذا الحكم أو الصفة هي الغاية من ذلك العلم، ولا ريب أنّ هذه الغاية محدودة لا تتناول ما وراءها، ودوائر مساحات أبعد.
ومن ثمّ صحّ ما يقال من أنّ غاية العلم لا تُحدّد ما وراءها، فقد تُوظّف هذه الغاية إلى غايات مختلفة وراءها، فعلم الفيزياء وعلم الذرّة الذي يُعبّر عنه بعلم الفيزياء النوويّة، قد يُوظّف للمقاصد السلميّة النافعة، وقد يُوظّف للأهداف الحربيّة المهلكة للنسل البشريّ.
فالعلم النوويّ من حيث هو، لا يُحدّد المسار والاتّجاه فيما وراء غايته، وكذلك علم الأحياء وما يُعرف بعلم الباحث عن المسائل الجرثوميّة والبكتيريّة أو مسائل المحاليل والعناصر الكيميائيّة الخطرة، فإنّ هذه العلوم قد تُوظّف وتُجيّر للخدمة البشريّة والتنمية والعمران والبيئة الكونيّة، وقد تُوظّف لهلاك البشريّة والبيئة، فإنّ هذه العلوم بنفسها لا تحدّد مسار الخير والشرّ، بل لا بدّ من علم آخر وراءها يتحدّد به المسار، وليس هذا القصور خاصّ بالعلوم الطبيعيّة كذلك خاصّ بالعلوم الروحيّة والإنسانيّة والنفس، فإنّ غاية هذه العلوم تحديد أحوال النفس وحالات القوّة فيها وحالات الضعف والتدبير والترويض لقوى النفس أو في بيئة الاسرة أو في البيئة الاجتماعيّة، كما في العلوم الاجتماعيّة، كالعلوم السياسيّة والإداريّة والاستراتيجيّة، وغيرها من العلوم النظميّة، فإنّها مهما بلغت فلها غاية محدودة وهي النشأة الأرضيّة، وأمّا ما وراءها من الحياة في العوالم الاخرى، فليست في متناولها، ومن ثمّ تقصر هذه العلوم في تحديد المسار في العوالم اللّاحقة، فلا بدّ من علم ومعرفة فوقها يوظّفها في مسار الخير والسعادة والكمال، سواء في النشأة الدنيويّة أو النشآت اللّاحقة، فالعلوم في نفسها