تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٤١ - المعلَم الثالث الإيمان بالغيب
(بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ) [١]، ومفاد هذه الآية أيضاً اجتناب الإنكار بالمساحات الغائبة من الحقيقة، وإن لم يكن يعني ذلك ولا يستلزم التسليم بشيء من دون دلائل وبيّنات، فإنّ بين التسليم بدون بيّنات أو الإنكار من دون بيّنات طريق ثالث معرفيّ يحثّ عليه القرآن، وهو السعي والفحص، ولا يمكن البناء عليه إلّابالإيمان.
فتوطين النفس على وجود ما غاب عن الإدراك سبب يحثّ على المزيد من التعلّم، بل واستمراره، وهذا عكس الإنكار والمسارعة إلى الاسترابة والتشكيك، فإنّه يحول دون ذلك.
ثمّ إنّ هاهنا تساؤل في مغايرة تفسير الآية الكريمة بين (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) وبين قوله تعالى: (وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)، فلماذا جُعل عنوان الإدراك والإذعان المتعلّق بالآخرة إيقان، بينما جُعل المتعلّق بالغيب إيمان، كما أنّه كذلك في قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) [٢]) في الآيتين، حيث اطلق على الإذعان بالوحي النازل عليه، وعلى الأنبياء من قِبله اطلق عليه الإيمان، فما هو الفرق بين العنوانين؟
ومن الملاحظ أنّ اليقين لم يُجعل متعلّقه في الآيات والروايات، الذات الإلهيّة، بل جُعل متعلّقه في الآيات، الآخرة، أو الإيقان بالآيات الإلهيّة، أو اليقين بوجود النار، ويُحذف متعلّقه ويقدّر بلحاظ سياق الجملة، بينما الإذعان به تعالى جُعل دوماً بعنوان الإيمان.
وقد ذكر في الآيات لليقين مراتب: علم اليقين كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ
[١] يونس ١٠: ٣٩.
[٢] البقرة ٢: ٤.