تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٥ - المعلَم الخامس في نهج المعرفة القرآنيّ شرطيّة العبادة في قوّة الإدراك والبصيرة
التجريديّ، فإنّه أبعد عن انس الفطرة والفها.
الرابعة: إنّ في التذكير موازنة بين قوى النفس والحيلولة بين طغيان بعضها على البعض الآخر، وهو شاكلة الفطرة في أصل الخلقة، وهذا بخلاف المناهج النظريّة، فإنّها توجب الإفراط في التركيز على قوّة الفكر أو بعض القوّة الإدراكيّة ممّا يتسبّب التغافل عن بقيّة القوى وعدم إحكام السيطرة أو الموازنة بينها وبين بقيّة القوى، من ثمّ يُمزج في الخطاب القرآنيّ بين الجانب التعليميّ والتربويّ، كما في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [١].
فجمع بين التلاوة والتزكية والتعليم، والتلاوة هي التعليم الابتدائي.
وكذا في قوله تعالى: (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [٢])، فجمع بين الخطاب بالحكمة والوعظ الحسن الذي هو ترويض وتهذيب للقوى العمليّة في النفس، بل للقوى الإدراكيّة أيضاً، وهذا ما يفتقد بوضوح في خطاب المدارس البشريّة الاخرى.
وقد مرّ الصلة بين إقامة الصلاة وحصول الذكر والتذكّر، حيث أنّ في إقامة الصلاة ترويض للقوى النفسانيّة والغرائز عن الجموح والطغيان، والذي يسبّب انطماس الفطرة ودفنها تحت ركام الهيئات الرذيلة، فيستعصي على الإنسان إدراك الحقائق والحقيقة لعجزه عن التذكّر، وهذا رباط خطير تشير إليه الآيات القرآنيّة في ضعف وقصور إدراك كلّ إنسان بسبب الهيئات الرديّة الظلمانيّة التي تنتقش في النفس، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: (وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ
[١] الجمعة ٦٢: ٢.
[٢] النحل ١٦: ١٢٥.