تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٨ - تفسير ثانٍ للآية بطلان التقليد وضرورة الفحص والتحقيق
يَعْمَلُونَ* وَ قالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [١].
ثمّ تتابع الآيات التأكيد على ضرورة وحدة الإيمان بكلّ ما انزل على الأنبياء السابقين وجميع النبيّين وعدم التفرقة بين أحد منهم، وأنّ صبغة اللَّه هي دين الإسلام، وأنّ محاجّة اليهود على المسلمين في اللَّه مبنيّة على زعمهم الاختصاص به تعالى، مع أنّ اللَّه ربّ الجميع على نحو الاستواء، وكلٌّ مسؤول عن عمله، كما تحاججهم الآيات في قوله تعالى: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ* تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) [٢]).
فمقتضى كلّ هذا السياق هو التأكيد على عدم صحّة التبعيّة والتقليد من أهل الكتاب المعاصرين للمسلمين لأسلافهم واممهم التي قد خلت، لأنّ النسخ لمّا كان جائزاً فمن غير الصحيح بقاء أهل الكتاب في عهد النبيّ على شرائع الأنبياء السابقين، إذ لكلّ امّة وظيفتها وتكليفها، وأنّه لو سُلّم أنّهم كانوا على غير دين الإسلام ما جاز لهم أن يتركوا ما يوحي اللَّه عزّ وجلّ على لسان محمّد صلى الله عليه و آله من وحي بالبيّنات والمعجزات. إذن انّ للَّهتعالى أن ينسخ من الشريعة ما شاء على ما يعلم في ذلك من وجوه الحكمة، وأنّه إذا كان الإنسان لا يؤاخذ إلّابعمله، فلا بدّ عليه من استبيان الحجّة بنفسه والتنقيب عن الأدلّة ابتداءاً، ولا يتّكل على فضائل الآباء والأجداد والأسلاف، فإنّ ذلك لا ينفع إذا خالف أمر اللَّه
[١] البقرة ٢: ١٣٣- ١٣٥.
[٢] البقرة ٢: ١٤٠ و ١٤١.