تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢١ - التشدّد والترهّب والرياضات غير المأثورة
فتحصّل: أنّه لا تدافع بين آية المائدة المادحة لجملة من النصارى، وهم الذين يؤمنون بخاتم الأنبياء بمقتضى وصيّة الدين الذي بُعث به عيسى عليه السلام لا مطلق النصارى، كما هو مقتضى التقييد الموجود في الآية الكريمة، ونبّه عليه أبو جعفر عليه السلام، كما روي عنه في ذيل الآية، وتعليل مدحهم لوجود العلم والرهبنة فيهم (أيالزهد في الدنيا) هو بلحاظ تأدية العلم والزهد إلى الغاية الحميدة، وهي الإيمان بخاتم الأنبياء.
وبذلك يظهر تطابق مفاد هذه الآية مع مفاد آية الحديد، حيث أنّ في آية الحديد امتداح الغاية في قوله تعالى: (إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ)، ففي آية الحديد أيضاً تفكيك بين إيجابيّة الغاية وإيجابيّة الزهد عن الدنيا في نفسه مع ذمّ حيثيّة اخرى، وهو ابتداع طريقة الرهبنة، فيتطابق مع مفاد الآيتين.
وسيتحصّل من مفادهما أنّ مدح الغاية لا يستلزم مدح الوسيلة، كما أنّ الوسيلة قد تكون في نفسها مشروعة، إلّاأنّ الغاية مذمومة، وهذا من المداقّة في الميزان والموازنة والتمييز بين الصواب والخطأ من دون الاجحاف لجهة من الجهات.
ومن ذلك يظهر الجواب عن الثاني، فإنّ التخلّي عن التشبّث والاشتغال بالدنيا وملاذّها والخوف والخشية من اللَّه، وإن كانت في نفسها ممدوحة وراجحة عظيمة، إلّاأنّ ذلك لا يلازم رجحان أيوسيلة تُتّخذ طريقاً لتلك الغاية، ومنه يُفهم مغزى النهي النبويّ الوارد عن الرهبانيّة وعن السياحة أنّ النفي لهذه الرهبانيّة والسياحة بلحاظ ما ابتدعه النصارى من طريقة أو ما كانت عليه الشرائع السابقة من السياحة في الأرض، وأمّا بيان متحصّل الجمع بين مدح الزهد في الدنيا كغاية والإيمان بسيّد الأنبياء، وبين النهي عن طريقة الرهبنة بقول مطلق والسياحة،