تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٢٠ - التشدّد والترهّب والرياضات غير المأثورة
معهم قبلهم، بل لا بدّ من اعتماد طريق منصف بين الطرفين.
ونظير قوله عليه السلام: «لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس مَن طلب الحقّ فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه (يعني معاوية وأصحابه)»، فالخوارج رغم أنّهم من أصحاب النار، بل وصفوا في الحديث النبويّ بأنّهم كلاب النار، إلّاأنّه عليه السلام ميّز بين ما رفعوه من شعار وبين ما اعتقدوه من منهج خاطئ ومنحرف، بخلاف معاوية وأصحابه، وهذا التمييز بين الفرقتين رغم أنّ كلتيهما من فِرق الباطل، يندرج في التفكيك بين الحيثيّات.
فكون الخوارج قد حبط عملهم وآلوا إلى الردى والهلاك، لا ينافي تمييز ما فيهم من بعض جهات الصواب، والموازنة بهذا المقدار من أصعب الصعاب التي تحتاج إلى علم وافر وصدر منشرح للإحاطة بجميع الحيثيّات، ومراعاة الموازين المتعدّدة، فلا جهة الصواب في الخوارج توجب انخداع الباحث عن تردّي محصّلة أعمالهم وسوء العاقبة، ولا سوء عاقبتهم تحجب الباحث عن جهة الصواب في بعض الحيثيّات التي لديهم.
وروي: «أنّ إبليس مرّ بيحيى ومعه رغيف شعير، فقال: أنت تزعم أنّك زاهد وقد ادّخرت رغيف شعير.
فقال يحيى: يا ملعون، هو القوت.
فقال إبليس: إنّ أقلّ من القوت يكفي لمن يموت.
فأوحى اللَّه إليه: اعقل ما يقول لك» [١].
فمع كون إبليس عدوّ مبين ولعين رجيم، إلّاأنّ ذلك لا يمنع أخذ الحكمة ولو من الكافر، فإنّ الحكمة ضالّة المؤمن بعد أن يعلم وجهها.
[١] بحار الأنوار: ١٤: ١٨٩.