تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٤ - المعلَم الخامس في نهج المعرفة القرآنيّ شرطيّة العبادة في قوّة الإدراك والبصيرة
ومادّة الذكر تشير إلى التذكّر لما هو موجود في الأصل في فطرة الإنسان، ومن ثمّ بيّن الهدف من رسالة الرسل في قوله عليه السلام: «فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَواتَرَ إِلَيْهِمْ أَ نْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ العُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ المَقْدِرَةِ» [١].
وإلى ذلك الإشارة في قوله تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [٢])، حيث تشير الآية إلى تطابق الفطرة مع أحكام الشريعة، وهذا التطابق في الخطوط العامّة بمعنى قضاء الفطرة بذلك وإدراكها.
ثمّ إنّ في منهج التذكير الذي هو من معاني المنهج السماوي والمنهج الوحياني جملة من الخصائص:
الاولى: اعتماد التنبيه على البديهيّات (أياعتماد الأدلّة الأقرب لإدراك البديهيّ للفطرة)، وهذا بخلاف خطاب الفلاسفة أو المتكلّمين، فإنّهم يعتمدون الأدلّة المتوغّلة في النظريّة، ممّا يصاحبها الكثير من الإجمال والإبهام، وبالتالي عدم انجذاب عموم الناس إلى أساليبهم وخطابهم.
الثانية: إنّ اسلوب التفكير أبعد عن الخطأ والاشتباه من الأساليب التي تعتمد المنهج النظريّ، فإنّ الأدلّة النظريّة كلّما ابتعدت عن البديهيّة أكثر وأكثر، دبّ وكبر احتمال الخطأ.
الثالثة: إنّ في التذكير سهولة في تحريك الفطرة، وذلك بسبب إثارة مرتكزات مغروزة في الأصل في فطرة وقوى الإنسان، وهذا بخلاف الخطاب النظريّ
[١] نهج البلاغة- الخطبة ١.
[٢] الروم ٣٠: ٣٠.