تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٢
والأخبار، وعدم المسارعة إلى تصديقها، وعدم الاسترسال لمتابعتها، بل التبيّن والتثبّت والتحرّي عن صدقها، وهذا ما تفيده آيات النور أيضاً، حيث تتعرّض الآيات فيها إلى المصدر الذي تولّد منه الخبر الكاذب بحياكة قالبه عمّا هو عليه من الواقع، كما تبيّن أنّ مقدار إسهام عصابة الإفك والزور في ذلك قد يختلف، كما أنّ الآيات تبيّن مدى خطورة تأثيرها على المجتمع نفسه، وأنّه شرّ يحيق به.
ومن ثمّ تبيّن أنّ الظنّ (بخلاف ما عليه الإشاعة السيّئة)، هو ظنّ من المؤمنين بأنفسهم خيراً، أيأنّه يعود عليهم بالخير، بخلاف تصديق الإشاعة، فإنّه عامل سوء وشرّ للمجتمع نفسه، مع أنّ أفراد المجتمع عندما يتلقّون الإشاعة لا ينتبهون إلى ارتباطها بهم، بل يقفون أمامها وقوف المتفرّج، بل يسعون في توسّعها وانتشارها وحدّتها بخوضهم فيها.
ومن ثمّ تؤكّد الآيات على خطورة الإسهام في الإشاعات ودعمها عبر تلقّيها وإثارتها بالألسن والأفواه، وأنّ هذا الخوض اللساني هو تضامن داعم للإشاعة ومشاركة وإسهام فيها، ومن ثمّ يعبّر عن ذلك بأنّه تلقّي للإفك باللسان وهو نمط من الترحاب والاحتضان، وهو قبول له ومشايعة، مع أنّ أفراد المجتمع يحسبون أنّ ذلك حياد ومجرّد استطلاع، ومن ثمّ عبّرت الآية بالقول: (وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً) [١]، مع أنّه إسهام عظيم في دعم الإشاعة وإيصال تأثيرها، ومن ثمّ عبّرت (وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ).
وبيّنت الآية أنّ موقف الحياد هو بعدم التكلّم والتنزّه عن الخوض لساناً فيه لأنّ مجرّد فسح المجال له بالتناقل لساناً هو تبنّي له، ومن ثمّ ورد في الروايات الآتية أنّ الفرد قد يُسهم في قتل الإنسان بما ينقله من أخبار عن ذلك الفرد فتصل
[١] النور ٢٤: ١٥.