تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٥٣ - الجهة الثانية الإيثار وإقامة العدل
فالسورة الشريفة تبيّن أساس الصلاح والإصلاح والعدل في الأرض يكمن في صفة للحاكم كما أنّها ترشد إلى أنّ أساس الظلم والجور يرجع إلى حبّ النفس والذات. كيف لا والإيثار خلوص وخلاص من النفس وإخلاص للَّه، فدرجات الإخلاص مقرونة بدرجات الإيثار، ومَوَتان، وتماوت النفس. وفي قبالها الظلم والجور يرجع إلى حبّ النفس، وإذا اشتدّ صار تكبّراً وفرعونيّة وادّعاء للربوبيّة، ولم يرشّح القرآن لقصّة مقام الإيثار من المصطفين والمنتجبين والمطهّرين من الأنبياء والمرسلين والحجج سوى أهل البيت في قوله تعالى: (ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) [١].
فعلّلت الآية حصر ولاية ثروات الأرض (الفيء) باللَّه وبرسوله وبذي القربى أنّه لأجل استتباب العدل ولئلّا تكون الأموال حكراً على الأغنياء، وفي الآية ملحمة يشير إليها القرآن، كما تقدّمت الإشارة إليها في سورة الحشر من أنّ إرساء العدل في الأرض لم ولن ولا يتم إلّابأهل البيت عليهم السلام، وهذا ما نشهده في تاريخ البشريّة والعصر الراهن حيث لم يتمّ الوصول إلى العدل على صعيد النظريّة والتنظير، فما بالك على صعيد التنفيذ، فإنّ كلّاً من الشيوعيّة في قبال الرأسماليّة، ثمّ من بعدها الاشتراكيّة، وكذلك الليبراليّة أو نظام السوق أو التجارة الحرّة، أو غيرها من الاطروحات البشريّة لم تستطع إلى حدّ الآن أن تتوصّل إلى تنظير الاقتصاد العادل والقوانين الماليّة العادلة والسياسة النقديّة ولا النظام المصرفي ولا التجاري والصناعي ولا الزراعي ولا في بقيّة البيئات والمجالات والأصعدة بحيث تقتلع الاقطاع والاستئثار والأثرة من على وجه الأرض.
[١] الحشر ٥٩: ٧.