تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢١٩ - التشدّد والترهّب والرياضات غير المأثورة
للرهبان في سياق المساجد، وأنّها يُذكر فيها اسم اللَّه.
ولتنقيح الحال في الشواهد السابقة على مسألة حكم الترهّب، والأوّل وهو قوله تعالى: (ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ [١]، فهو وإن استفيد منه امتداح لين جانبهم ورقّة قلوبهم، وقلّة حرصهم على الدنيا، واهتمامهم بالعلم والعمل، حيث أنّ عنوان القساوسة إشارة إلى الموقعيّة في العلم، والرهبنة إشارة إلى قلّة حرصهم على الدنيا، وفيض أعينهم من الدمع إلى رقّة قلوبهم، وأنّهم لا يستكبرون إشارة إلى لين جانبهم، إلّا أنّه قيّد باستجابتهم للإيمان برسول اللَّه، وما أنزل إليه، وذلك لا يستفاد منه امتداح الوسيلة التي ترهبنوا بها، فمدح الغاية لا يستلزم التقرير بالطريق إليها.
كما أنّ تخطئة الطريق لا تستلزم تخطئة الغاية، كما في قوله: وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٢])، فكون بعض الجهات سلبيّة لا تنفي الجهات الإيجابيّة ولا العكس كذلك، وهذا ممّا يصعب تفكيكه على الكثير، والشنآن في اللغة البغض والعداوة، فمجرّد كون الطرف الآخر عدوّ لا يستلزم التفريط بالموازين معه في الجوانب الاخرى، وهذا نمط من التفكيك من الجهات والحيثيّات.
ونظير قوله تعالى: (وَ إِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) [٣]، فمجرّد بدو الخيانة منهم لا يستلزم المبادرة بنكث العهد
[١] المائدة ٥: ٨٢ و ٨٣.
[٢] المائدة ٥: ٨.
[٣] الأنفال ٨: ٥٨.