تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢١٢ - التشدّد والترهّب والرياضات غير المأثورة
فقد روى ابن مسعود عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، قال: «كنت رديف رسول اللَّه صلى الله عليه و آله على حمار، فقال: يابن امّ عبد، هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانيّة؟
فقال: اللَّه ورسوله أعلم.
فقال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بمعاصي اللَّه، فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فهزمهم أهل الإيمان ثلاث مرّات، فلم يبق منهم إلّاالقليل، فقالوا:
إن ظهرنا هؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرّق في الأرض إلى أن يبعث اللَّه النبيّ الذي وعدنا به عيسى عليه السلام يعنون محمّداً صلى الله عليه و آله، فتفرّقوا في غيران الجبال وأحدثوا رهبانيّة، فمنهم مَن تمسّك بدينه، ومنهم مَن كفر، ثمّ تلا هذه الآية:
(وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها...).
ثمّ قال: يابن امّ عبد، أتدري ما رهبانيّة امّتي؟.
قلت: اللَّه ورسوله أعلم.
قال: الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحجّ والعمرة».
وفي حديث آخر عن ابن مسعود: «أنّه صلى الله عليه و آله قال: من آمن بي وصدّقني واتّبعني فقد رعاها حقّ رعايتها، ومَن لم يؤمن بي فاولئك هم الهالكون» [١].
ويظهر من الرواية بوضوح أنّ المراد ب «ما رعوها حقّ رعايتها» هو الدعوة إلى النبيّ صلى الله عليه و آله والإيمان به، لأنّ غايتهم من ابتداع الرهبانيّة هو الإبقاء على أنفسهم كي يدعوا إلى الدين الذي يبشّر بسيّد الأنبياء.
ويشهد لمفاد هذه الرواية ذيل الآية من قوله تعالى: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ)، أيأنّ الرعاية هي بلحاظ الإيمان بسيّد الرسل،
[١] مجمع البيان: ٩: ٤٠٤. بحار الأنوار: ٦٥: ٣٠٢.