تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٥٧ - المعلَم الخامس في نهج المعرفة القرآنيّ شرطيّة العبادة في قوّة الإدراك والبصيرة
فطرة الإنسان إلّابذكر مبدأ الوجود ومنبعه ومصدر الواقعيّة، فإذا جهل أكبر حقيقة وواقعيّة، ينجرّ ذلك إلى جهل جملة من جمود الفطرة، كما يشير إليه قوله تعالى:
(نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) [١].
وينبّه على ذلك ما ذكر في الأبحاث العقليّة من براهين الصدّيقين على وجوده تعالى انطلاقاً من التسليم بأصل الواقعيّة، وأنّ ذلك عين التسليم بالواقعيّة الأزليّة الأبديّة السرمديّة، إذ كلّ واقعيّة لا بدّ أن تستند إليها، وإلّا لفقدت واقعيّتها.
فالركون إلى أيّ واقعيّة ما، ينطوي على الركون إلى الواقعيّة الأزليّة، وقد ذكروا ذلك بصياغات وتقارير عديدة رشيقة فائقة لا تحتاج إلى مقدّمات نظريّة، بل تستند إلى أبده البديهيّات.
وعلى ضوء ذلك فتكون البيانات الوحيانيّة الواردة في التوحيد وشؤون الالوهيّة ما هي إلّاتذكير بهذه البديهيّة على الإطلاق، والظريف اللطيف في هذه البراهين أنّها تبيّن أنّ أوّل التصوّرات كما أنّ أوّل التصديقات هو الباري تعالى، لا ما قيل من أنّ أوّل التصوّرات مطلق الوجود أو الوجود المطلق، وأنّ أوّل التصديقات بطلان التناقض، وذلك لأنّ مطلق الوجود أو الوجود المطلق ينطوي فيه تصوّر الوجود الأزليّ، وأمّا اجتماع النقيضين فيفترض فيهما التقييد في الوجود والعدم، والتقييد في كلا الطرفين يستند إلى الإطلاق في الواقعيّة، فتكون الواقعيّة المطلقة سابقة عليهما.
أو لك أن تقول: إنّ صدق بطلان اجتماع النقيضين كقضيّة صادقة في الأزل أن تستند إلى واقعيّة أزليّة مطلقة، فهيمنة تلك الواقعيّة المطلقة وإحاطتها وقيوميّتها
[١] الحشر ٥٩: ١٩.