تفسير ملاحم المحكمات - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٣٦ - المعلَم الثاني
فإنّ الهداية كما تستعمل تارة في إراءة الطريق للمطلوب، واخرى في الايصال والوصول للمطلوب، فها هنا تشير الآية إلى قاعدة مهمّة ونظام مهمّ في العصمة من الخطأ والخطاء والزلل والضلال.
فالآية في صدد بيان نظام وقواعد إذا رُوعيت أوجبت العصمة والاستعصام من الخطأ، فهي إشارة إلى النظام المنطقي الذي يرسمه القرآن الكريم، وإلى مدرسة متميّزة في النهج المنطقي والفكري تختلف عن المدارس المنطقيّة الاخرى، سواء المدرسة اليونانيّة في المنطق الأرسطي الذي يقتصر على بعض ضوابط الحركة الفكريّة في بعض قواعد هيئة الاستدلال، أو بعض قواعد موادّها من دون تعرّضها إلى قواعد القوّة الإدراكيّة الاخرى، كالمخيّلة والواهمة وقوى الحواس، فضلًا عن قوى الإدراك القلبيّة، وفضلًا عن منظومة قوى العمّالة في النفس، وغيرها من طبقات ودرجات منازل النفس والروح.
وكذلك الحال في المنطق الرياضي أو مدرسة المنطق الوضعيّ أو الاحصائيّ أو الاستقرائيّ أو الرقميّ أو النفسانيّ أو الاجتماعي وغيرها من المدارس المنطقيّة، فإنّها تركّز على جانب من القوّة المؤثّرة للنفس في عمليّة الاستنتاج والإدراك الهيوليّ الفكريّ أو القلبيّ، والمسير العمليّ للنفس، سواء كان روحيّاً أو بدنيّاً.
وهذا النظام المنطقيّ الذي تشير إليه الآية هي منظومة متكاملة مترامية بوسع دائرة التقوى والعمل بالشريعة الغرّاء، فكلّ شرعة في الشريعة وكلّ حكم وتوصية دخيل في ازدياد إدراك الإنسان وقوّة تمييزه، نظير ما ورد في قوله تعالى:
(إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) [١].
[١] الأنفال ٨: ٢٩.