تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٩١ - ٩٥١٤ ـ امرأة متعبدة
أخبرنا أبو القاسم زاهر بن طاهر ، أنا أبو بكر البيهقي ، أنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا الحسن بن محمّد بن إسحاق ، نا أبو عثمان الحناط ، نا أحمد بن أبي الحواري قال :
بينا أنا ذات يوم جالس بالشام في قبة ليس عليها باب إلّا كساء مسبل ، إذا أنا بامرأة تدقّ على الحائط فقلت : من هذه؟ فقالت : امرأة ضالة دلّني على الطريق رحمك الله ، فقلت عن أي الطريقين تسأليني؟ فبكت ثم قالت : عن طريق النجاة ، فقلت : هيهات هيهات لا يقطع ذاك الطريق إلا بالسير الحثيث في الجدّ ، وتصحيح المعاملة ، وحذف العلائق الشاغلة عن أمر الدنيا والآخرة ، فبكت ثم قالت : أما علائق الدنيا ففهمتها ، فما علائق الآخرة؟ فقلت : لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيا لم يكن لك إلّا ما كتب لك في اللوح المحفوظ ، وإنّ لجهنم زفرة يوم القيامة لو كان معك عمل سبعين نبيا ما كان بدّ من أن ترديها [١] قال : فصرخت صرخة ، ثم قالت : سبحان من صان عليك جوارحك فلم تنقطع ، وسبحان من أمسك عليك قلبك فلم يتصدع ، ثم سقطت مغشيا عليها.
قال ابن أبي الحواري : وكانت عندنا جارية من المتعبدات ، فقلت لها : اخرجي فانظري ما قصة هذه المرأة قال : فخرجت ، فنظرت إليها فإذا هي قد فارقت الدنيا ، وإذا في جيبها رقعة مكتوب فيها : كفنوني في أثوابي ، فإن يكن لي عند ربي خير فسيبدلني ما هو خير لي منها ، وإن يكن غير ذلك فبعدا لنفسي وسحقا.
قال ابن أبي الحواري : وإذا قوم قد أحاطوا بالجارية فقلت لبعضهم : ما قصة هذه المرأة؟ فقالوا : يا أبا الحسن هذه جارية كان يظهر [٢] بها شيء نظن [٣] أنها مصابة بعقلها. وكان الذي بها يمنعها من المطعم والمشرب ، وكانت تشكو إلينا وجعا بجوفها. فكنا نعرض عليها الأطباء فكانت تقول : أريد متطببا [٤] أشكو إليه بعض ما أجد من دائي عسى أن يكون عنده شفائي.
٩٥١٤ ـ امرأة متعبدة
حكى عنها أبو علي الحسن بن حبيب.
[١] بالأصل : «ردها» والمثبت عن «ز».
[٢] بالأصل : «بظهرها» والمثبت عن «ز».
[٣] بالأصل و «ز» : يظن.
[٤] بالأصل : «متطيبا» تصحيف ، والمثبت عن «ز».