تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٢٦ - ٩٤٢٨ ـ مرية ـ ويقال مرية ـ امرأة هشام بن عبد الملك ومروان بن محمد ، ويقال إنها بنت مروان بن محمد
غير محتشمة وتلقمنا ، وتصنع بين أيدينا ثم غسلنا أيدينا ، فقالت لها الخيزران من وراءك مما تغتنين [١] به؟ فقالت ما خارج هذه الدار أحد من خلق الله بيني وبينه سبب ، فقالت الخيزران : إن كان هذا هكذا فقومي بنا حتى تختاري لنفسك مقصورة من مقاصيرنا وأحوّل إليها جميع ما تحتاجين إليه ، ثم لا نفترق حتى يفرّق بيننا الموت ، فقامت ، وطفنا بها في المقاصير [٢] ، فاختارت أوسعها وأنزهها ، ولم نبرح حتى حوّل إليها جميع ما تحتاج إليه من الفرش والكساء والخزائن والرقيق ، ثم جعلناها فيها وخرجنا عنها ، فقالت الخيزران : إنّ هذه المرأة قد كانت فيما كانت فيه ، وقد مسّها ضر ، وليس يغسل ما في قلبها إلّا المال ، فاحملوا إليها خمسمائة ألف درهم ، فحملت إليها.
ووافانا المهدي ، فسألنا عن الخبر فحدثته حديثها ، وما لقيتها به ، فو الله ما انتظر أن أعرّفه الجواب حتى وثب في وجهي مغضبا فقال : زينب. الله! إنّ هذا مقدار شكرك لله على نعمته وقد أمكنك الله من مثل هذه المرأة ، على هذه الحال التي هي عليها ، فو الله لو لا محلك من قلبي لحلفت أن لا أكلمك أبدا ، قالت : فقلت : قد اعتذرت إليها ورضيت ثم قصصت عليه قصتها كلها ، وما فعلت الخيزران بها. فقال لخادم كان معه : احمل إليها مائة بدرة [٣] وأدخل إليها أبلغها مني السلام وقل لها : والله ما سررت من دهري مثل سروري اليوم بمكانك. وأنا أخوك ، ومن يوجبك حقك ، فلا تدعي حاجة إلّا سألتها ، ولو لا أنّي أكره أن أحشمك لصرت إليك مسلما عليك ، وقاضيا لحقك. فمضى الخادم بالمال والرسالة ، فأقبلت إلينا معه فسلّمت على المهدي وشكرت له فعله ، وأثنت على الخيزران عنده. وقالت : ما عليّ من أمير المؤمنين حشمة. أنا في عدة حرمه ، وقعدت ساعة ثم قامت [٤] إلى منزلها ، فحلقها عند الخيزران كأنها لم تزل في ذلك القصر.
فهذا الحديث خير لك من كتاب! وقد وهبت لك كتابا. قم ، فانصرفت من عندها.
[١] غير واضحة بالأصل ، وفي المختصر : تعنين ، والمثبت عن المطبوعة.
[٢] المقاصير واحدتها مقصورة ، وقيل في جمعها : مقاصر. والمقصورة : الدار الواسعة المحصنة ، أو هي أصغر من الدار ولا يدخلها إلا صاحبها (القاموس).
[٣] البدرة : كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم. راجع الصحاح.
[٤] في المطبوعة : عادت.