تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٣٦ - ٩٤٦٥ ـ أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقية الكوفية
لو لا أن يبطل الحق ، ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان لما اختاروا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه. إلى أين تريدون رحمكم الله ، أيها الناس ، عن ابن عم رسول الله ٦ وزوج ابنته وأبي ابنيه ، خلق من طينته ، وتفرع من نبعته ، وخصه بسرّه ، وجعله باب مدينته [١] ، وأعلم بحبه المسلمين [٢] وأبان ببغضه المنافقين. فلم يزل كذلك حتى أيّده الله ، بمعونته يمضي على سنن استقامة. لا يفرح لراحة اللذّات بها ، وهو مفلق الهام ، مكسر الأصنام صلّى والناس مشركون ، وأطاع والناس مرتابون ، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر ، وأفنى أهل أحد ، وهزم الله به الأحزاب وقتل أهل حنين ، وفرق جمع هوازن فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا ، وردة وشقاقا ، قد اجتهدت في القول ، وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق والسّلام عليكم ورحمة الله.
فقال معاوية : والله يا أم الخير ، ما أردت بهذا القول إلّا قتلي ، ولو قتلتك ما حرجت في ذلك. [فقالت :][٣] والله ما يسوؤني أن يجري الله قتلي على يدي من يسعدني الله بشقائه! قال : هيهات يا كثيرة الفضول. ما تقولين في عثمان بن عفان؟ قالت : وما عسى أن أقول فيه ، استخلفه الناس وهم به راضون ، وقتلوه وهم له كارهون ، فقال معاوية : إيها [٤] يا أم الخير ، هذا والله أصلك الذي تبنين [٥] عليه. قالت : لكن الله يشهد بما أنزل ، أنزله بعلمه ، والملائكة يشهدون (وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً)[٦] وما أردت بعثمان نقصا ، ولقد كان سباقا إلى الخير ، وإنه لرفيع الدرجة غدا. فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت : وما عسيت أن أقول في طلحة ، اغتيل من مأمنه ، وأتي من حيث لم يحذر ، وقد وعده رسول الله ٦ الجنّة. قال : فما تقولين في الزبير؟ قالت : لا تدعني كرجيع الثوب الصبغ يعرك في المركن [٧]. قال : حقّا لتقولن [٨] وقد عزمت عليك. قالت : وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله ٦ وحواريّه ،
[١] تشير إلى قوله ٦ : أنا مدينة العلم وعلي بابها.
[٢] تشير إلى قوله ٦ : «لا يحب عليا منافق ، ولا يبغضه مؤمن» حيث ميّز المسلم من المنافق بحب عليّ بن أبي طالب.
[٣] زيادة عن «ز».
[٤] بالأصل و «ز») أيهن.
[٥] بالأصل و «ز» : تبني.
[٦] سورة النساء ، الآية : ١٦٥.
[٧] المركن : إناء تغسل فيه الثياب.
[٨] الأصل و «ز» : لتقولين.