تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٨٢ - ٩٥٠١ ـ امرأة ذكوانية
القلم ، وحتم وذرأ [١] وبرأ وحكم ، وقضى ضرب [٢] الكلام باللغات المختلفة على المعاني المتفرقة ، آلفها بالتقديم والتأخير والأشباه والمناكير [٣] والموافقة والتزايد ، وأدّته الآذان إلى القلوب بالأفهام ، وأدّته الألسن بالبيان ، فاستدل به على العلم ، وعبد به الرب ، وأبرم الأمر ، وعرفت به الأقدار ، وتمت به النعمة ، فكان من قضاء الله ومشيئته أن قرّبت زيادا ، وجعلت له من أبي سفيان نسبا ثم وليته أحكام العباد ، بسفك الدماء بغير حلها ولا حقها ، ويهتك الحريم بلا مراقبة لله فيها ، خئون ظلوم غشوم ، يتخير من المعاصي أعظمها ، لا يرى لله وقارا ، ولا يظن أن له معادا ، وغدا يعرض عمله عليك في صحيفتك وتوقف [٤] على ما اجترم بين يدي ربك ، ولك يا رسول الله ٦ أسوة حسنة وبينك وبينه صهر وقرابة. فلا الماضين من أئمة الهدى اتبعت. ولا طريقهم سلكت. حملت عبد ثقيف [٥] على رقاب أمة محمّد ٦ يدبر أمورهم ويسفك دماءهم ، فما ذا تقول لربك وقد مضى من أجلك أكثره ، وذهب خيره ، وبقي وزره؟ إني امرأة من بني ذكوان وثب زياد الدعيّ إلى أبي سفيان على ضيعتي وتركتي على أبي وأمي فغصبنيها ، وحال بيني وبينها ، وقتل من نازعه فيها من رجالي ، فأتيتك مستصرخة ، فإن أنصفت وعدلت ، وإلّا وكلتك وزيادا إلى الله فلن يبطل ظلامتي [٦] عندك وعنده والمنتصف بيننا وبينكم [٧] حكم عدل.
فبهت معاوية ينظر إليها متعجبا من كلامها ثم قال : ما لزياد. لعن الله زيادا. فإنه لا يزال يبعث على مثالبه من ينشرها ، وعلى مساوئه من يثيرها؟
ثم أمر كاتبه بالكتاب إلى زياد يأمره بالخروج من حقّها ، وإلّا صرفه مذموما مدحورا. ثم أمر لها معاوية بعشرة آلاف درهم. وعجب هو وجميع من كان حوله من مقالتها ، وبلوغها حاجتها.
[١] بالأصل و «ز» : «درأ» والصواب ما أثبت ، ذرأ الله الخلق وبرأهم : خلقهم.
[٢] كذا بالأصل و «ز» ، ولعل الصواب : صرف الكلام.
[٣] بالأصل و «ز» : التناكير. والمثبت عن المطبوعة.
[٤] بالأصل : تقف ، والمثبت عن «ز».
[٥] تعني زياد بن أبيه ، وأمه سمية ، كانت لرجل من بني يشكر ، وهبها للحارث بن كلدة بن عمرو ... بن ثقيف الثقفي الذي عالجه حتى برأ من وجع شديد أصاب اليشكري راجع أنساب الأشراف ٥ / ١٩٧.
[٦] بالأصل : ظلامي ، والمثبت عن «ز».
[٧] سقطت اللفظة من «ز».