تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٨٩ - ٤٤٥٦ ـ عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو محمد الهاشمي
قالوا : فأنت بالخيار ، إن بذل لك شيء بين أخذه أو تركه ، قالت : لا حاجة لي بشيء من هذا ، إن كان هذا أوله قالوا : فلا بد من أن تنطلقين إليه ، قالت : فإنّي ما أنهض على كره إلّا لواحدة ، قالوا : وما هي؟ قالت : أرى وجها هو جناح رسول الله ٦ ، وعضو من أعضائه ، ثم قامت فحملوها على دابّة من دوابه ، فلما صارت إليه سلّمت عليه ، فردّ ٣ ، وقرّب مجلسها ، وقال لها : ممن أنت؟ قالت : أنا من كلب ، قال لها : فكيف حالك؟ قالت : أجد الفائت واستمريه ، وأهجع أكثر الليل ، وأرى قرة العين من ولد بارّ وكنة رضية ، فلم يبق من الدنيا شيء إلّا وقد وجدته وأخذته ، وإنّما انتظر أن تأخذني ، قال : ما أعجب أمرك كله ، قالت : قضى عليّ أول عجبة ، قال : بذلك لنا ما كان في حوائك ، فرفعت رأسها إلى القيّم فقالت : هذا ما قلت لك ، قال عبيد الله : وما قالت لك؟ فأخبره ، فازداد تعجبا ، وقال : خبريني ، فما ادّخرت لبنيك إذا .... [١] قالت : ما قال حاتم طيئ [٢] :
| ولقد أبيت على الطّوى وأطلبه | حتى أنال به كريم المأكل |
فازداد منها عبيد الله تعجبا ، وقال : أرأيت لو انصرف بنوك وهم جياع ولا شيء عندك ما كنت تصنعين بهم؟ قالت : يا هذا ، لقد عظمت هذه الخبزة عندك ، وفي عينك حتى أن صرت لتكثر [٣] فيها مقالك ، وتشغل بذكرها بالك ، اله [٤] عن هذا وما أشبهه ، فإنه يفسد النفس ويؤثر [٥] في الحسن ، فازداد تعجبا ، ثم قال لغلامه : انطلق إلى فنائها [٦] فإذا أقبل بنوها فجئني بهم ، فقالت العجوز : أما إنهم لا يأتوك إلّا بشريطة ، قال : وما هي؟ قالت : لا تذكر لهم ما ذكرته لي ، فإنّهم شباب أحداث تحركهم الكلمة ، ولا آمن بوادرهم إليك ، وأنت في هذا البيت الرفيع ، والشرف العالي ، فإذا نحن من أشرّ العرب جوارا ، فازداد عبيد الله تعجبا ، وقال : سأفعل ما أمرت به.
فقالت العجوز للغلام : انطلق فاقعد بحذاء الخباء الذي رأيتني في ظله ، فإذا أقبل ثلاثة ، أحدهم دائم الطرف نحو الأرض قليل الحركة ، كثير السكون ، فذاك الذي إذا خاصم أفصح ، وإذا طلب أنجح ، والآخر دائم النظر ، كثير الحذر [٧] ، له أبهة قد كملت من حسبه ، وأثرت من
[١] رسمها غير واضح بالأصل ونميل إلى قراءتها : انصرفوا ، واللفظة غير ظاهرة في م من سوء التصوير.
[٢] ليس في ديوانه ط بيروت.
[٣] اللفظة غير مقروءة في الأصل ، والمثبت عن م.
[٤] كذا رسمها بالأصل ، وتقرأ في م : «بال».
[٥] عن م وبالأصل : وتؤثر.
[٦] اللفظة غير معجمة بالأصل ورسمها : «منالها» وتقرأ في م : قبائها ولعلنا وفقنا فيما أثبتناه.
[٧] إعجامها مضطرب بالأصل ، والمثبت عن م.